وفي مقابلة على تلفزيون بلومبيرغ، قال ساجد شينوي، رئيس قسم اقتصاديات آسيا وكبير اقتصاديي الهند في جي بي مورغان إن العامل الحاسم في تقييم تداعيات الصراع الحالي على الاقتصاد العالمي ليس وقوعه بحد ذاته، بل مدته الزمنية.
وأوضح أن الاقتصاد العالمي يمتلك هوامش أمان كافية تمكّنه من تحمّل اضطراب يستمر أسبوعًا أو أسبوعين، إلا أن استمرار الأزمة لأسابيع أو أشهر سيحوّلها إلى “صدمة اقتصادية كلية كبيرة”.
وأضاف أن القيد الرئيسي في المدى القريب يتمثل في سعات التخزين لدى الدول المنتجة للنفط، فبمجرد بلوغ الطاقة التخزينية حدّها الأقصى، ستضطر الدول إلى خفض الإنتاج، ما يخلّف أثرًا أطول أمدًا على أسعار النفط العالمية.
بورصات أوروبا في المنطقة الخضراء.. وأنظار العالم على الشرق الأوسط
فائض هيكلي سابق
وأشار إلى أن سوق النفط الخام كان يعاني فائضًا هيكليًا في المعروض قبل اندلاع الصراع، وأن تقديرات البنك كانت تشير إلى احتمال تراجع الأسعار إلى 60 دولارًا أو أقل خلال العام الجاري، في ظل نمو اقتصادي قوي نسبيًا.
لكنه لفت إلى أن الأسواق تشهد حاليًا “علاوة مخاطر جيوسياسية مرتفعة”، متوقعًا أنه في حال انحسار التوتر خلال أسابيع قليلة، قد تعود الأسعار في النصف الثاني من العام إلى مستويات 60–65 دولارًا للبرميل بفعل ما وصفه بـ“قوى الجاذبية الأساسية للسوق”.
وأوضح أن المسألة الجوهرية تكمن في توقيت تحوّل التخزين إلى قيد فعلي، إذ تختلف قدرات الدول، فبعضها لا يحتمل أكثر من أربعة أيام، وأخرى قد تصمد حتى 15 يومًا، وحذّر من أن التطورات قد تتخذ مسارًا غير خطي سريعًا.
وأوضح المسؤول أنه سيبدأ القلق الفعلي إذا تجاوزت الأزمة أسبوعين، من زاوية تأثيرها على سوق النفط، وأكد أن الصدمة الإقليمية مؤكدة، سواء من حيث التحويلات المالية أو السياحة، لكن السؤال الأهم هو ما إذا كانت ستنتقل إلى الاقتصاد العالمي عبر قناة أسعار النفط، التي تعد آلية الانتقال الأساسية من الشرق الأوسط إلى بقية العالم.
وقال إنه إذا لم يطرأ أي انفراج خلال 15 يومًا، وبدأت تخفيضات الإنتاج تتسارع، فإن أثر الأسعار المرتفعة سيستمر حتى بعد انتهاء الصراع. لذلك، وصف الأسابيع الثلاثة أو الأربعة المقبلة بأنها “حاسمة للغاية”.
احتمالات التضخم العالمي
وفي ما يتعلق بالتضخم العالمي، شدد على أن الخطر الحقيقي يتطلب صعود النفط إلى مستويات من ثلاثة أرقام، والأهم أن يبقى عندها لفترة طويلة.
فالمعادلة، بحسب تعبيره، ليست السعر وحده، بل “السعر مضروبًا في مدة بقائه”، فإذا استمرت الأسعار المرتفعة لأسبوع واحد يمكن للاقتصاد العالمي استيعاب الصدمة، أما إذا امتدت لأشهر فستبدأ آثارها في الظهور عبر تآكل القدرة الشرائية للأسر وارتفاع معدلات التضخم، مما سيجبر البنوك المركزية على التشدد خشية ترسخ توقعات تضخمية مرتفعة.
وأضاف أن آسيا تدخل هذه المرحلة من موقع أفضل نسبيًا، إذ إن معدلات التضخم في المنطقة منخفضة، بل منخفضة جدًا في بعض الدول، نتيجة عوامل انكماشية صينية وفجوات إنتاج لم تُغلق بعد منذ الجائحة.
كما أن أوضاع الحسابات الجارية في العديد من الاقتصادات الآسيوية تبدو متينة؛ فاقتصادات شمال آسيا مثل كوريا الجنوبية وتايوان تتمتع بفوائض كبيرة مدفوعة بصادرات التكنولوجيا، فيما يبلغ عجز الحساب الجاري في الهند وإندونيسيا أقل من 1% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى مريح مقارنة بالمعايير التاريخية.
ورغم ذلك، أقرّ بأن بقاء النفط عند 90 دولارًا للبرميل لأسابيع أو أشهر سيخلق مشكلة حقيقية. لكنه شدد على أن المنطقة لا تزال بعيدة عن هذا السيناريو.
احتياطيات الصين
وفي ما يخص الصين، أشار إلى أنها تمتلك احتياطيات نفطية تكفي لأسابيع، وقد توفر قدرًا من الاستقرار الإقليمي إذا بقي وضعها الداخلي مستقرًا، كما طرح احتمال إعادة توجيه تدفقات النفط، بما في ذلك زيادة الاعتماد على الخام الروسي، في حال تعذر وصول الإمدادات من بعض المناطق.
أما بالنسبة للهند، فأقر بأنها مستورد كبير للنفط، مما يجعل ميزانها الجاري حساسًا للأسعار، لكنه أكد أن نقطة الانطلاق مهمة: عجز الحساب الجاري أقل من 1% من الناتج، والتضخم عند 2%، واحتياطيات النقد الأجنبي مرتفعة، وأشار إلى أن الأسواق الناشئة حسّنت أطرها الاقتصادية منذ 2013 تحسبًا لبيئة عالمية كثيرة الصدمات.
كما حذّر من مخاطر الصدمات المتزامنة، والمتمثلة في ارتفاع النفط، وصعود الذهب، وقوة الدولار، واضطراب العملات الآسيوية، ما قد يضغط على الحسابات الجارية ويجعل تدفقات رؤوس الأموال أكثر تقلبًا، إلا أنه رأى أن وجود احتياطيات قوية وأطر اقتصادية منضبطة يمنح هذه الدول قدرة على امتصاص الصدمة.
وفي المقابل، اعتبر أن الاقتصادات المتقدمة قد تكون في وضع أكثر تعقيدًا إذا طال أمد صدمة النفط، لأنها تدخل الأزمة بمعدلات تضخم أعلى وأكثر رسوخًا، وأشار إلى اليابان والولايات المتحدة تحديدًا، موضحًا أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي وغيره من البنوك المركزية إلى التحرك إذا بدأت توقعات التضخم في الانفلات.
وختم بالتأكيد على أن رد الفعل الأولي غالبًا ما يكون الذعر، لكن التقييم الهادئ يُظهر أن العديد من الدول تمتلك احتياطيات وأدوات كافية، غير أن الفارق سيصنعه الزمن: “إذا كانت صدمة قصيرة، يمكن تجاوزها، أما إذا طال أمدها، فالتداعيات ستكون أعمق وأكثر اتساعًا.”
العين الاخبارية