حيث يتقدّم الاقتصاد على السياسة والأمن بوصفه الهمّ اليومي الأثقل، ففي ظل ارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفجوة بين الدخل والأسعار، بات الحكم على أداء الدول، والاستقرار، والمستقبل، يُقاس من منظور معيشي قبل أي اعتبار آخر.
أُنجز هذا الاستطلاع ضمن الدورة التاسعة للمؤشّر العربي، وشمل الاستطلاع الميداني 40130 مستجيباً ومستجيبة أُجريت معهم مقابلات شخصية مباشرة ضمن عيّناتٍ ممثّلة للبلدان التي ينتمون إليها، بهامش خطأ يراوح بين ± 2 و3%. ونُفِّذ في الفترة من أكتوبر/ تشرين الأول 2024 وحتى أغسطس/ آب 2025K ويُعدّ، في دورته التاسعة، أضخم مسحٍ للرأي العام في المنطقة العربية، من حيث حجم العيّنة ومحاوره وعدد البلدان التي يغطيها، واستغرق ذلك أكثر من 413 ألف ساعة، وقطع الباحثون الميدانيون أكثر من مليون كيلومتر من أجل الوصول إلى المناطق التي ظهرت في العيّنة في أرجاء الوطن العربي.
التقييم العام للأوضاع الاقتصادية
تعكس نتائج المؤشر العربي 2025 استمرار النظرة السلبية إلى الأوضاع الاقتصادية في عدد واسع من البلدان العربية، ولا سيما تلك التي تعيش أزمات مالية مزمنة أو نزاعات مسلّحة. فقد أظهر المؤشّر انقسام تقييم المواطنين للوضع الاقتصادي في بلدانهم بشكل شبه متوازن، مع ميل طفيف نحو السلبية، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية وازدياد كلفة المعيشة، ولا سيما أسعار الغذاء والسكن، وتبيّن النتائج أن العامل الاقتصادي بات المحدِّد الأبرز في تشكيل مزاج الرأي العام، متقدمًا على العوامل السياسية أو الأمنية.
ويخفي هذا المعدّل العام تباينات إقليمية واضحة، إذ قيّمت أغلبية المستجيبين في معظم البلدان العربية، باستثناء دول الخليج والجزائر وموريتانيا، الأوضاع الاقتصادية على أنها سلبية، مع تسجيل أعلى مستويات التشاؤم في دول المشرق العربي.
ويرتبط هذا التقييم بتقاطع الأزمات الاقتصادية مع انهيارات نقدية أو آثار مباشرة للنزاعات، كما في لبنان وسورية والسودان، حيث انعكس التدهور الاقتصادي في صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية وتزايد الاعتماد على الاستدانة والمساعدات، ما ضاعف هشاشة الأوضاع المعيشية.
في المقابل، تظهر دول الخليج العربي مستويات أعلى من الرضا النسبي عن الأوضاع الاقتصادية، مستفيدة من هوامش مالية أوسع وقدرة أكبر على التدخل عبر السياسات العامة، إلا أن نتائج المؤشّر تشير إلى أن هذا الاستقرار لا يعزل هذه الدول عن الضغوط العالمية، ولا سيما ارتفاع كلفة المعيشة وتباطؤ النمو الاقتصادي، وبصورة عامة، تكشف نتائج المؤشر العربي 2025 أن المنطقة لا تشهد تحسنًا اقتصاديًا مستدامًا، بل تعيش حالة من عدم اليقين، حيث بات الاقتصاد العامل الأكثر تأثيرًا في الاستقرار الاجتماعي وتقييم المواطنين لأداء دولهم.
أرقام منقسمة وواقع غير متوازن
على مستوى تقييم الوضع الاقتصادي الراهن، أظهرت نتائج المؤشر العربي 2025 انقسامًا شبه متساوٍ في آراء المواطنين، إذ وصف 48% الأوضاع الاقتصادية في بلدانهم بأنها إيجابية (جيّدة أو جيّدة جدًا)، مقابل 49% قيّموها على أنها سلبية (سيّئة أو سيّئة جدًا)، ويعكس هذا التوازن العددي الهش حالة من عدم الاستقرار، حيث لا يترسّخ الشعور بالتعافي بقدر ما يطغى الإحساس بالقلق وعدم اليقين، كذلك يخفي هذا المعدّل العام تفاوتات عميقة بين البلدان العربية، تعكس اتساع الفجوة الاقتصادية داخل المنطقة.
في دول الخليج العربي، حيث تمتلك الحكومات هوامش مالية أوسع وقدرة أكبر على التدخل عبر الإنفاق العام وسياسات الدعم، تميل التقييمات إلى الإيجابية، مدعومة باستقرار نسبي في أسواق العمل والدخل، غير أن هذا الرضا لا يعني غياب الضغوط، إذ تشير نتائج المؤشّر إلى استمرار القلق من تأثر هذه الاقتصادات بالتقلبات العالمية، وإن بوتيرة أقل حدّة مقارنة بغيرها.
في المقابل، تسود النظرة السلبية في دول المشرق العربي ووادي النيل، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع ضغوط سياسية وأمنية، وتراجع في مستوى الخدمات العامة، وانكماش في فرص العمل، ولا يقتصر هذا التفاوت على البعد الجغرافي فحسب، بل يعكس اختلافًا بنيويًا في نماذج إدارة الاقتصاد، بين دول تعتمد سياسات دعم وحماية اجتماعية تحدّ من أثر الصدمات، وأخرى تواجه أزمات هيكلية عميقة تتجلى في ضعف الإنتاج، وارتفاع البطالة، وتآكل القدرة الشرائية.
بحسب نتائج المؤشر العربي 2025، تتوزّع الأوضاع الاقتصادية على ثلاث فئات رئيسة تعكس عمق الاختلال الاجتماعي. فقد أفاد 26% فقط من المستجيبين بأن دخل أسرهم يغطي الاحتياجات الأساسية ويتيح لهم الادخار، وهي الفئة التي تُعرف بـ”أسر الوفر”، وتتركز بصورة أساسية في إقليم الخليج العربي، مستفيدة من مستويات دخل أعلى وشبكات دعم اجتماعي أكثر فاعلية.
في المقابل، قالت 41% من الأسر إن دخلها يغطي الاحتياجات الأساسية بالكاد من دون أي قدرة على التوفير، ما يضعها ضمن فئة “أسر الكفاف”، وهي الفئة الأكثر هشاشة أمام الصدمات الاقتصادية، مثل ارتفاع الأسعار أو فقدان مصدر الدخل، أما 28% من الأسر، فأفادت بأنها تعيش حالة عوز، حيث لا يغطي الدخل الاحتياجات الأساسية، ولا يقتصر هذا الانقسام على تفاوت في مستويات الدخل فحسب، بل يعكس اختلالات بنيوية أعمق في توزيع الثروة وغياب سياسات فعّالة لإعادة التوزيع والحماية الاجتماعية، كذلك تكشف هذه النتائج عن محدودية قدرة الاقتصادات العربية على تحويل النمو، حيث وجد، إلى تحسّن ملموس في معيشة المواطنين.
استراتيجيات البقاء: من التكافل الاجتماعي إلى بيع الممتلكات
تكشف نتائج المؤشر العربي 2025 أن آليات تكيّف الأسر المعوزة مع واقعها الاقتصادي تعكس حجم الضغط المعيشي المتزايد في عدد كبير من البلدان العربية، فقد أفادت 31% من الأسر المعوزة بأنها تلجأ إلى الاستدانة من الأقارب والمعارف لتأمين احتياجاتها الأساسية، فيما تعتمد 16% على مساعدات مباشرة من العائلة والجيران، ما يؤكد استمرار دور شبكات التكافل الاجتماعي التقليدية بوصفها خط الدفاع الأول في مواجهة الفقر.
في المقابل، تعتمد 17% من الأسر المعوزة على المعونات المؤسسية، سواء كانت حكومية أو خيرية أو دينية، وهي نسبة تعكس محدودية دور منظومات الحماية الاجتماعية الرسمية قياسًا بحجم الحاجة الفعلية، وتشير النتائج إلى أن 10% من الأسر تضطر إلى بيع ممتلكاتها لتغطية نفقاتها، وهو مؤشر بالغ الخطورة على استنزاف الأصول الإنتاجية والمعيشية، ويحدّ من قدرة هذه الأسر على الصمود في المدى الطويل أو التعافي مستقبلًا، وتُظهر هذه المعطيات أن الاعتماد المتزايد على حلول قصيرة الأجل، مثل الاستدانة أو بيع الممتلكات، لا يوفّر مخرجًا مستدامًا من الفقر، كذلك يعكس استمرار الاعتماد على التكافل العائلي والاجتماعي ضعف السياسات العامة في بناء شبكات أمان اجتماعي فعّالة، قادرة على حماية الفئات الأكثر تضررًا من الصدمات الاقتصادية المتلاحقة.
الاقتصاد أولًا: البطالة وغلاء المعيشة في صدارة القلق
تُظهر النتائج أن القضايا الاقتصادية تتصدّر سلم أولويات المواطنين في المنطقة العربية، إذ أفاد 60% من المستجيبين بأن التحديات الأبرز التي تواجه بلدانهم ترتبط بالبطالة، وارتفاع الأسعار، وسوء الأوضاع المعيشية، واتساع رقعة الفقر، وجاءت القضايا الأمنية في المرتبة الثانية بنسبة 22%، بينما حلّت القضايا السياسية في مراتب أدنى، ما يعكس تراجع تأثير الخطاب السياسي أمام ضغط الواقع الاقتصادي اليومي.
ويشير هذا الترتيب إلى تحوّل بنيوي في وعي الرأي العام، حيث لم تعد المخاوف الاقتصادية مسألة ظرفية أو ثانوية، بل أصبحت العامل الأكثر تأثيرًا في الاستقرار الاجتماعي وتقييم أداء الدولة. فالتضخم المستمر وتآكل الدخل وغياب فرص العمل، ولا سيما بين فئات الشباب، تحوّلت إلى مصادر قلق يومي تمسّ قدرة الأفراد على التخطيط للمستقبل وتأمين الحد الأدنى من الأمان المعيشي، وبصورة أوسع، تعكس هذه النتائج أن الاقتصاد بات الإطار الحاكم لنظرة المواطنين إلى حاضرهم ومستقبلهم، وأن معالجة البطالة وغلاء المعيشة لم تعد مجرد خيارات سياسات عامة، بل شروطًا أساسية للحفاظ على السلم الاجتماعي والحد من التوترات والهجرة، في ظل بيئة إقليمية تتّسم بعدم اليقين وتعدّد الصدمات الاقتصادية.
الهجرة: الاقتصاد يدفع الشباب إلى الخارج
يرتبط التدهور الاقتصادي في عدد كبير من البلدان العربية ارتباطًا مباشرًا بارتفاع الرغبة في الهجرة، بوصفها مخرجًا من ضيق الفرص وتراجع شروط العيش، فقد أفاد 25% من المواطنين العرب بأنهم يرغبون في مغادرة بلدانهم، وكان الدافع الاقتصادي السبب الرئيس لدى الغالبية، متقدمًا على الدوافع السياسية أو الأمنية.
وتكشف نتائج المؤشّر عن تباينات إقليمية واضحة في هذا السياق؛ إذ ترتفع الرغبة في الهجرة في بلدان المشرق العربي ووادي النيل والمغرب العربي، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع ضعف أسواق العمل وغياب الأفق التنموي، في مقابل انخفاضها إلى 8% فقط في دول الخليج التي توفر فرص عمل أوسع ومستويات دخل أعلى واستقرارًا اقتصاديًا نسبيًا، ويعكس هذا التفاوت حجم الفجوة الاقتصادية داخل المنطقة العربية، وقدرة بعض الدول على استيعاب قواها العاملة، مقابل عجز دول أخرى عن ذلك.
وبصورة أعمق، تشير هذه المعطيات إلى أن الهجرة لم تعد خيارًا فرديًا مؤقتًا أو مرتبطًا بالطموح الشخصي فحسب، بل تحوّلت إلى استراتيجية اقتصادية، ولا سيما لدى فئات الشباب والمتعلمين، للهروب من انسداد الأفق الاقتصادي وفقدان الأمل بتحسن قريب، وهو ما ينذر بتداعيات بعيدة المدى على الاقتصادات المحلية، من حيث استنزاف رأس المال البشري، وتعميق اختلالات التنمية، وإعادة إنتاج دوائر التفاوت داخل المجتمعات العربية.
الثقة بالسياسات الاقتصادية: فجوة مستمرة
تُظهر النتائج أن تقييم المواطنين لأداء الحكومات على صعيد السياسات الاقتصادية يتسم بانقسام واضح، مع ميل ملحوظ نحو السلبية مقارنةً بتقييم مجالات أخرى، ويعكس هذا الانقسام تباينًا في تجارب المواطنين مع السياسات العامة، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن شعور واسع بأن هذه السياسات لم تنجح في تحسين الأوضاع المعيشية أو التخفيف من وطأة الضغوط الاقتصادية اليومية، ويتوافق 84% من المواطنين العرب على أن الفساد المالي والإداري منتشر بدرجات متفاوتة في بلدانهم، وهي نسبة مرتفعة لم تشهد تغيّرًا جوهريًا منذ إطلاق المؤشّر عام 2011، ما يدلّ على طابع بنيوي لهذه المشكلة.
ويعني هذا الثبات في النسب أن الإجراءات المتخذة لمكافحة الفساد، حيث وُجدت، لم تُحدث أثرًا ملموسًا في إدراك المواطنين، أو لم تنعكس تحسنًا واضحًا في إدارة الموارد العامة، وتشير هذه النتائج إلى أزمة ثقة مزمنة بين المواطن والمؤسسات الاقتصادية، تتغذّى من غياب الشفافية، وضعف آليات المساءلة، واستمرار اختلالات توزيع الموارد، كذلك تعكس محدودية قدرة السياسات الاقتصادية على بناء عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والكفاءة، ما يفاقم الشعور بعدم الإنصاف ويقوّض الثقة بقدرة الدولة على قيادة تعافٍ اقتصادي مستدام.
الاقتصاد مفتاح الاستقرار
تؤكد نتائج المؤشر العربي 2025 أن الاقتصاد بات المحدِّد الأبرز للمزاج العام في المنطقة العربية، فالتضخم المستمر، وتآكل الدخل الحقيقي، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع رقعة الفقر، إلى جانب تصاعد الهجرة، تشكّل منظومة مترابطة من الضغوط الاقتصادية التي تتجاوز الحدود الوطنية وتطاول مختلف المجتمعات العربية، وإن بدرجات متفاوتة.
ويقدّم المؤشّر العربي، من خلال اعتماده على صوت المواطن وتجربته المعيشية المباشرة، قراءة مكمّلة ومختلفة عن التقارير الاقتصادية التقليدية التي تكتفي بالمؤشرات الكلّية، إذ يضع المؤشّر الحياة اليومية للأفراد في صلب التحليل، ويؤكد أن أي مسار نحو الاستقرار السياسي والاجتماعي في المنطقة العربية لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة جذرية للأزمة الاقتصادية، باعتبارها المدخل الأساسي لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
العربي الجديد


