شركة بترومسيلة تأسست لتشغيل قطاع 14 في 2011 بعد انتهاء مرحلة المشغل الأجنبي، لكنها مع مرور الوقت توسعت بصورة كبيرة لتدير قطاعات متعددة، وميناء تصدير، ومشاريع كهرباء، ومشاريع إنشائية وطاقة، وأدوارًا تتجاوز بكثير وظيفة شركة تشغيل نفطية وطنية. هذا التوسع قد يبدو للبعض إنجازًا، لكنه في الحقيقة يصبح خطرًا مؤسسيًا إذا لم يكن قائمًا على قانون إنشاء واضح، ولائحة داخلية معتمدة، ومجلس إدارة فعّال، ورقابة مالية مستقلة، وتفويضات محددة، وموازنات مصادق عليها، وتقارير فنية ومالية دورية.
المشكلة الجوهرية أن بترومسيلة، بحسب ما يتداوله مختصون وجهات رقابية وبرلمانية، لا تملك الإطار المؤسسي الكافي الذي يليق بشركة وطنية تدير أصولًا سيادية بهذا الحجم. الشركة قامت على قرار حكومي( من مجلس الوزراء) لكنها لم تتحول إلى مؤسسة وطنية محكومة بقانون واضح يحدد صلاحياتها، حدود توسعها، آليات رقابتها، علاقة إدارتها بوزارة النفط، علاقتها بهيئة الاستكشاف والإنتاج، وطريقة مساءلة قيادتها أمام الدولة.
لقد توسعت بترومسيلة، بحسب ما هو متداول من وثائق واتهامات وملاحظات رقابية، في إنشاء كيانات وشركات خارج اليمن في سلطنة عمان ودبي وجزر العذراء وهولندا، وبصفة مرتبطة بإدارتها، دون وضوح كافٍ للرأي العام والجهات الرقابية حول الأساس القانوني، والغرض الإداري، ومصدر التفويض، وطبيعة الأصول، وحركة الأموال، وأوجه العلاقة بين هذه الكيانات والشركة الأم والدولة اليمنية. ومن أخطر ما يثار في هذا السياق الحديث عن فتح شركة في صلالة برأسمال عيني ضخم يقدّر بمليارات الدولارات، وهو أمر لا يمكن أن يمر دون مراجعة سيادية وقانونية ومالية دقيقة.
هذه ليست تفاصيل إدارية عابرة. إنشاء شركات خارجية، نقل أصول، فتح حسابات، إدارة إيرادات، أو تأسيس كيانات مرتبطة بشركة وطنية نفطية، كل ذلك يجب أن يكون قائمًا على قرارات حكومية معلنة، وموافقات قانونية، وموازنات معتمدة، وتدقيق مستقل، ورقابة من وزارة النفط ووزارة المالية والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة ومجلس النواب. أما أن تتم هذه التوسعات في ظل غياب استراتيجية وطنية معلنة، وغياب تقارير مدققة منشورة، وغياب مساءلة دورية، فذلك يضع الشركة أمام أسئلة خطيرة لا يجوز تأجيلها.
بترومسيلة لا تنشر، وفق المعايير المتعارف عليها للشركات الوطنية المحترفة، تقارير سنوية مالية وفنية كاملة توضّح حجم الإنتاج، الاحتياطيات، كلفة البرميل، الإيرادات، المصروفات، العقود، الأرباح والخسائر، التدفقات النقدية، المديونيات، المشتريات، الحسابات البنكية، وشركاتها التابعة أو المرتبطة داخل اليمن وخارجه. وهذا بحد ذاته خلل كبير، لأن شركة تدير موارد سيادية لا يجوز أن تعمل بمنطق “الثقة الشخصية”، بل بمنطق “الإفصاح المؤسسي”.
وقد صدرت، بحسب ما هو متداول ومنسوب لجهات رقابية وبرلمانية ورسمية، ملاحظات خطيرة تتعلق بحجب معلومات مالية وفنية عن وزارة النفط وهيئة الاستكشاف والإنتاج، وعدم عرض البرامج والموازنات السنوية للمراجعة، والتوسع في أنشطة خارج التفويض، وإنشاء كيانات خارجية، وتحويل إيرادات إلى حسابات خارجية. هذه الاتهامات، إن ثبتت، لا تمثل مجرد مخالفات إدارية، بل تمس جوهر السيادة المالية للدولة على ثروتها النفطية.
وحتى إذا افترضنا حسن النية، فإن مجرد وجود هذه الاتهامات منسوبة إلى تقارير رقابية وجهات رسمية يكفي لفرض مراجعة وطنية شاملة. فالدولة لا تُدار بالافتراضات، والشركات الوطنية لا تُحمى بالتبريرات، والمال العام لا يُترك تحت رحمة العلاقات الشخصية أو ظروف الحرب أو ضعف المؤسسات.
أما من الناحية الفنية، فإن حجم بترومسيلة وتوسعها لا ينسجم مع مستوى الإفصاح المتاح عن أدائها الحقيقي. إذا كانت الشركة تدير قطاعات متعددة، ومنشآت تصدير، ومشاريع طاقة، فما هو الإنتاج الفعلي لكل قطاع؟ وما حجم الاحتياطيات المؤكدة والمحتملة؟ وما معدلات النضوب؟ وما عدد الآبار المنتجة والمتوقفة؟ وما برامج الحفر والصيانة والإحياء؟ وما كلفة إنتاج البرميل؟ وهل ما زالت الشركة تسير فقط على البنية التي تركتها كنديان نكسن منذ ما قبل 2011، دون تطوير جوهري حقيقي؟
لا يجوز أن نُسمي الاستمرارية بأدنى مستويات الإنتاج إنجازًا. بقاء الشركة عاملة لا يكفي. تشغيل ما تركه المشغل السابق لا يكفي. الحفاظ على الحد الأدنى لا يكفي. الإنجاز الحقيقي هو أن تكون هناك زيادة إنتاج، وتطوير احتياطيات، وحفر منظم، وإدارة مكامن محترفة، وتخفيض كلفة، وشفافية مالية، وحوكمة، وتدقيق، وربط واضح بين العوائد والمصلحة الوطنية.
أما ملف #الكهرباء، فقد تحول إلى مساحة رمادية أخرى. دخول بترومسيلة في مشاريع الكهرباء قد يكون مبررًا في سياق الأزمة الوطنية، لكنه لا يجب أن يتحول إلى باب لتضارب الأدوار بين شركة نفط، وشركة كهرباء، ومقاول مشاريع، وجهة تمويل، وجهة تشغيل. الخلافات التي ظهرت للعلن حول كهرباء وادي حضرموت، ومحطة الـ75 ميجاوات، ومحطة بترومسيلة والتوربينات، وقيود الغاز، تكشف أن هناك تضاربًا في الروايات وغيابًا في الشفافية الفنية. المواطن يريد كهرباء، نعم، لكن الدولة تحتاج أيضًا أن تعرف: من يملك المشروع؟ من يموله؟ من يشغله؟ ما كلفته؟ ما قدرته الفعلية؟ ما كلفة الكيلووات؟ ومن يراقب العقود؟
كما أن ما أثير حول بيع النفط من ميناء الضبة، والمصافي البدائية، والخلافات التي ظهرت للعلن وتدخل فيها النائب العام، وما كشفه احد أعضاء مجلس القيادة الرئاسي السابق، كلها مؤشرات على أن ملف بترومسيلة لم يعد ملفًا فنيًا داخليًا، بل ملف وطني حساس يحتاج إلى فتح شامل أمام الجهات السيادية والرقابية.
لا يجوز أن ننخدع ببعض المشاريع هنا أو هناك. ولا يجوز أن تتحول “الإنجازات الخدمية” إلى غطاء يمنع السؤال عن المال، والأصول، والإيرادات، والتفويض، والحسابات، والعقود، والاحتياطيات. الشركة الوطنية المحترمة لا تخاف من المراجعة. بل إن المراجعة تحميها، وتحمي موظفيها، وتحمي سمعتها، وتحمي الدولة من الانهيار المؤسسي.
لذلك، فإنني أدعو فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إصدار توجيه واضح بتشكيل لجنة وطنية عليا مستقلة لمراجعة أداء شركة بترومسيلة منذ تأسيسها وحتى اليوم، على أن تضم خبراء فنيين في النفط والغاز، وخبراء ماليين، وقانونيين، وممثلين عن وزارة النفط، وزارة المالية، هيئة الاستكشاف والإنتاج، الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، هيئة مكافحة الفساد، ومجلس النواب.
يجب أن تشمل هذه المراجعة المحاور التالية:
أولًا: مراجعة الوضع القانوني والمؤسسي للشركة، بما في ذلك قرار الإنشاء، غياب أو وجود اللوائح الداخلية، حدود التفويض، صلاحيات الإدارة التنفيذية، دور مجلس الإدارة، وعلاقة الشركة بوزارة النفط والجهات الرقابية.
ثانيًا: مراجعة شاملة للشركات والكيانات التي تم إنشاؤها أو تسجيلها خارج اليمن، بما في ذلك الكيانات الموجودة في سلطنة عمان ودبي وجزر العذراء وهولندا، ومعرفة أساسها القانوني، رأس مالها، ملاكها، إدارتها، حساباتها، أصولها، وحركة الأموال بينها وبين بترومسيلة والدولة اليمنية.
ثالثًا: تدقيق مالي كامل للقوائم المالية، الإيرادات، المصروفات، التدفقات النقدية، الحسابات البنكية، العقود، المشتريات، المديونيات، الالتزامات، وأوجه الصرف، وفق معايير دولية معتمدة، وبواسطة جهة تدقيق مستقلة ذات سمعة دولية، على أن تُرفع النتائج إلى رئاسة الدولة والجهات الرقابية، وأن يُنشر منها ما لا يمس الأمن السيادي.
رابعًا: تقييم فني مستقل للقطاعات النفطية التي تديرها الشركة، يشمل الاحتياطيات المؤكدة والمحتملة، الإنتاج التاريخي والحالي، معدلات النضوب، حالة الآبار، كفاءة إدارة المكامن، برامج الحفر، خطط الصيانة، منشآت السطح، خطوط الأنابيب، ومرافق التصدير.
خامسًا: مراجعة ملف #الكهرباء والطاقة، بما في ذلك مشاريع محطات الكهرباء، كلفة التشغيل، مصادر الوقود، العقود، الجهات المستفيدة، حدود دور الشركة، ومدى قانونية توسعها في هذا المجال.
سادسًا: مراجعة ملف بيع #النفط، وميناء #الضبة، والمصافي البدائية، وأي ترتيبات مرتبطة بالتكرير أو البيع أو النقل أو التخزين، ومعرفة العوائد الفعلية، ومسار الإيرادات، والجهات التي استفادت منها.
سابعًا: مراجعة التوظيف والترقيات والعقود والاستشارات والمقاولات، للتحقق من مدى الالتزام بمعايير الكفاءة والشفافية وتكافؤ الفرص، ومنع تحول الشركة إلى دائرة نفوذ مغلقة أو شبكة مصالح.
ثامنًا: إعداد تقرير نهائي يحدد المسؤوليات، ويوصي بإعادة هيكلة الشركة، وإصدار قانون أو لائحة تنظيمية واضحة لها، وتشكيل مجلس إدارة مهني، وإنشاء لجنة مراجعة داخلية، وربط الشركة بمنظومة رقابة وطنية منتظمة.
إن ثروات اليمن ليست ملكًا لمدير، ولا لحكومة مؤقتة، ولا لوزارة، ولا لمركز نفوذ محلي أو سياسي. هذه الثروات حق للشعب اليمني، وحق للأجيال القادمة. وأي شركة وطنية تدير النفط والغاز يجب أن تخضع لأعلى معايير الرقابة والحوكمة والشفافية والمحاسبة، لا لأدنى المعايير بحجة الحرب أو الظروف أو الاستمرارية.
بترومسيلة يجب أن تُراجع لا لكي تُدمّر، بل لكي تُنقذ من الغموض، وتُعاد إلى الدولة، وتتحول إلى شركة وطنية حقيقية تعمل وفق القانون، لا وفق الأشخاص. وإذا كانت إدارتها واثقة من سلامة أدائها، فالمراجعة المستقلة ستكون شهادة براءة لها. أما إذا كانت هناك مخالفات أو تجاوزات أو أصول أو أموال أو كيانات خارج الرقابة، فالصمت عنها خيانة للثروة الوطنية.
إن إصلاح #بترومسيلة ليس ملفًا إداريًا، بل ملف سيادي. وهو اختبار حقيقي لجدية الدولة في استعادة السيطرة على مواردها، وبناء قطاع نفط وغاز وطني محترم، وإنهاء ثقافة الشركات المغلقة التي تعمل باسم #الشعب دون أن تكشف للشعب أين تذهب ثروته.
فخامة الرئيس، افتحوا ملف بترومسيلة.
افتحوه فنيًا وماليًا وقانونيًا وإداريًا.
فلا دولة بلا رقابة، ولا سيادة بلا شفافية، ولا ثروة وطنية بلا محاسبة.
في الاخير
هل مع الشركة موقع على النت او فقط نص صفحة في موقع اللينكدان؟



