اقتصاد خليجي نُشر

يوميات معيشة سكان الخليج... معاناة من غلاء السلع والخدمات

مع عودة أجواء الحرب إلى المنطقة بعد توجيه أميركا ضربات عسكرية إلى إيران، والقصف الإيراني على مطار الكويت، ثارت مخاوف في دول الخليج من مواصلة التضخم ارتفاعه، ما يرهق معيشة المواطنين والمقيمين معاً.

يوميات معيشة سكان الخليج... معاناة من غلاء السلع والخدمات

وتكشف أحدث البيانات الاقتصادية عن فجوات تضخمية واضحة بين دول مجلس التعاون الخليجي خلال شهر إبريل/ نيسان الماضي؛ ففي السعودية استقر معدل التضخم السنوي عند 1.7%، مقابل تسارع ملحوظ في التضخم لدى قطر والكويت إلى نحو 2.6%، بينما واجهت سلطنة عمان ضغوطاً تضخمية أكبر مع تسجيل مؤشر أسعار المستهلكين فيها نمواً بنسبة 3.2%، ما عكس تبايناً في مرونة الأسواق المحلية وقدرتها على حماية خطوط إمدادها من تداعيات الاضطرابات البحرية الحالية التي تؤثر بممرات الطاقة والملاحة الإقليمية، حسبما أورد تقرير نشرته مجموعة إم يو إف جي ريسيرش (MUFG Research) البريطانية، المتخصصة في الدراسات والتحليلات الاقتصادية والمصرفية، في 20 مايو/ أيار الماضي.

ويظهر هذا التباين التضخمي بشكل أساسي في بندي الغذاء والنقل، اللذين يمثلان العصب الرئيسي لسلة استهلاك الأسر الخليجية، فبينما استقرت في السعودية عند 0.6% في أسعار الأغذية والمشروبات و1% في تكاليف النقل، واجهت الأسر في قطر قفزة في أسعار الأغذية بلغت 10.4% على أساس سنوي مقارنة بنحو 8.7% في الشهر السابق، على الرغم من تراجع طفيف في تكاليف النقل الإجمالية بنسبة 0.5%.

وفي الكويت، شهدت السلة الاستهلاكية ارتفاعاً سنوياً في أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 6.32% وتكاليف النقل بنسبة 4.46%، بينما ارتفعت مستويات التضخم في عُمان مع قفزة حادة في أسعار الخضراوات بلغت 25%، ما يظهر كيف أن انكشاف الأسواق على تكاليف الشحن وتأثر الموانئ بالتوترات البحرية ينعكسان مباشرة على السلع الأساسية، بحسب تقرير نشرته منصة فوكس إيكونوميكس (FocusEconomics)، المتخصصة في تقديم الاستشارات والتقارير الاقتصادية الكلية، في 29 مايو الماضي.

ويبدو أن ما يحدث في الخليج مواكب لموجة تضخم عالمية بسبب الحرب في المنطقة، حسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة ‌للأمم المتحدة "فاو" التي أكدت في شهر مايو الماضي، أن أسعار الغذاء العالمية ‌ارتفعت في شهر إبريل إلى أعلى مستوياتها ‌في أكثر من ثلاث سنوات، مع صعود أسعار الزيوت النباتية على وجه الخصوص بسبب أزمة إغلاق مضيق هرمز.

وقال كبير الخبراء الاقتصاديين في "فاو"، ماكسيمو توريرو، إن زيادة ⁠أسعار ⁠الزيوت ‌النباتية مدفوعة بارتفاع تكاليف الطاقة، التي تؤدي بدورها إلى زيادة الطلب على الوقود الحيوي المصنوع باستخدام مواد عضوية، مثل النباتات الغنية بالزيوت.

واتجهت الدول الخليجية إلى تبني جملة من السياسات الاقتصادية واللوجستية الهيكلية التي خففت من وطأة الصدمات الخارجية على المواطنين.

ورغم أن صندوق النقد الدولي يتوقع زيادة متوسط معدل التضخم السعودي لاحقاً إلى 2.3% بفعل تكاليف الشحن والتأمين، إلا أن الهوامش المالية تمنح الحكومة القدرة على تبني استجابات مالية مستهدفة ومؤقتة لحماية الأسر المتضررة، حسب التقرير ذاته.

وفي المقابل، فإن فرضية نشوء موجة من "التضخم المؤجل" تبدو مرجحة بقوة للأسر الخليجية إذا تراجعت قدرة الحكومات على امتصاص صدمات تكاليف الشحن والطاقة، وتشير مؤشرات مديري المشتريات الأخيرة إلى أن الشركات غير النفطية في قطر والكويت تواجه ضغوطاً متزايدة؛ ففي قطر تسارع تضخم أسعار المدخلات للشهر الخامس على التوالي، ما دفع الشركات إلى رفع أسعار البيع بأسرع وتيرة منذ نهاية عام 2022 لحماية أرباحها، بينما شهدت الشركات الكويتية تجدداً في تكاليف المدخلات مع استمرارها في زيادة أسعار البيع، حسبما أورد تقرير نشرته "ستاندرد آند بورز" في 3 يونيو/ حزيران الجاري.

الحرب ويوميات معيشية صعبة في الخليج

وفي السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، علي أحمد درويش، لـ"العربي الجديد"، أن الدول الخليجية نجحت نسبياً في استيعاب تأثير الحرب بيوميات المواطنين والمقيمين، غير أن التداعيات الكاملة وعمق النتائج لا يمكن قياسها بدقة إلا بعد انتهاء تداعيات الحرب وكشف الستار عن الآثار المترتبة عليها في المرحلة القادمة، حيث ستتضح الصورة الحقيقية للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ومدى نجاح السياسات المتبعة في حماية الاستقرار المعيشي.

ويوضح أن "السعودية تتمتع بانتشارها الجغرافي الواسع ومساحتها الكبيرة، ما يمنحانها دينامية عالية في التحرك وإدارة سلاسل الإمداد، خصوصاً عبر الطرق البرية التي تصبح أكثر حيوية في ظل إغلاق مضيق هرمز وغيره من الممرات البحرية، وقد اعتمدت المملكة على سياسات صرف وإنفاق مدروسة لاستيعاب عملية ارتفاع أسعار السلع، مع التركيز على دعم السلع الأساسية والاستهلاكية الضرورية، ولا سيما المواد الغذائية، وذلك من خلال تأمين سلاسل الإمداد وتمويل تكاليف النقل أحياناً، ما جعل الشعور أقل بتكلفة التضخم المعيشي".

وتركز التكلفة المعيشية حالياً بشكل رئيسي على قطاعي السكن والغذاء الأساسي، وهما وجهتا الإنفاق الرئيسيتان في المرحلة الراهنة التي تعيش فيها المنطقة حالة من التوتر والحروب.

ومن جانبها، واجهت دول مثل عمان والكويت وقطر صعوبات أكبر في استيعاب عملية ارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى انخفاض المداخيل نتيجة الصعوبات اللوجستية في نقل النفط إلى الخارج، ما انعكس سلباً على قدرتها الشرائية واستقرارها النسبي، كما يوضح درويش.

ويظل سؤال التضخم المؤجل وارداً للأسر الخليجية، غير أن الإجابة عنه تعتمد على عدة متغيرات، أبرزها مسار الحرب ومدته، سواء كان قصيراً أو طويل الأجل، لأن هذا العامل سيؤثر حكماً بمعدلات التضخم، وفق درويش، ففور توقف الحرب بشكل كامل ستتكشف النسب الحقيقية للتضخم الذي حدث، كذلك فإن أسعار النفط قد تنخفض إن وضعت الحرب أوزارها، ما قد يؤدي إلى انعكاس عكسي على الأسعار وانخفاض تكاليف النقل المرتبطة بسعر البرميل.

وتظهر قدرة الحكومات الخليجية على امتصاص صدمة تكاليف الشحن والطاقة المرتبطة بالحرب من خلال صيغ استيعابية مقبولة، ولا سيما في السعودية، حسب درويش، حيث يُعد الإنفاق الحكومي الحالي أداة فعالة لاستيعاب نتائج الحرب القائمة ومنع تحولها إلى أزمة معيشية طاحنة، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الإنتاج في دول الخليج يعتمد على الوافدين والمقيمين، سواء كانوا عمالاً أو شركات أجنبية، ما استدعى تشجيعاً لبقاء هذه الكفاءات واستمرار النشاط الاقتصادي خلال فترة الحرب.

الهيكل الاقتصادي وفجوات التضخم

في هذا الإطار، يشير الأستاذ بكلية الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد، المدير العام السابق بالبنك المركزي العراقي، محمود داغر، لـ"العربي الجديد"، إلى أن استجابة الدول للضغوط التضخمية تختلف باختلاف هيكل اقتصاداتها، إذ إن توسع الناتج المحلي وتنوعه ووجود نسبة معينة من المكون المحلي تعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص هذه الضغوط بشكل أكبر، فالتضخم يُحسب بناءً على نفقات الأسر والأفراد عبر مختلف شرائح الإنفاق لاستخراج الرقم القياسي لأسعار المستهلكين.

ويلفت داغر إلى أن جزءاً مهماً من سلع الغذاء والمعيشة يُنتج داخل دول خليجية، ومنها السعودية وقطر، مقارنة باعتماد دول أخرى على الاستيراد، ما يؤدي إلى امتصاص جزء كبير من التضخم، لافتاً إلى أن مشاريع الدعم تلعب هي الأخرى دوراً محورياً في التأثير بمعدلات التضخم.

وإزاء ذلك، من الصعب قبول فكرة تساوي التضخم في كل الدول عندما تتعرض للضغوط الخارجية نفسها، بحسب داغر، خصوصاً أن السعودية تُعَدّ من الدول التي ازداد ناتجها وإيراداتها بشكل كبير بسبب أزمة الحرب على إيران منذ 28 فبراير/ شباط الماضي، على عكس كثير من الدول الأخرى، ما يعني أن وتيرة التضخم تختلف من دولة لأخرى، وعليه فلا يوجد ما يسمى بالتضخم المؤجل بالمعنى الدقيق، حسب تقديره.

فالتضخم يقاس فعلياً من خلال فرق تذهب يومياً إلى الأسواق لجمع البيانات حول مستويات الأسعار ونفقات المستهلكين، وهي عملية تجري باستمرار ودورياً لتكشف مؤشرات عن أوضاع الناس المعيشية، حسب داغر.


 

مواضيع ذات صلة :