الأخبار نُشر

في زمن التغيير .. جرائم مدمرة لاقتصاد هش

 أكدت مصادر مصرفية لـ “مال وأعمال’’ أن البنك المركزي اليمني يقوم حالياً بالتحقق والتحري حول عدد من البنوك التجارية الوطنية والأجنبية العاملة في البلاد،  والتي  يشتبه في ضلوعها في عمليات تبييض وغسيل أموال..

وتأتي تحريات ومتابعة البنك المركزي لحركة ومستويات السلة المصرفية  لبعض البنوك المشتبه بقيامها في تبييض و غسيل الأموال عقب اشتباه بوجود حسابات سرية؛ ربما كانت تتمتع فيها  المصارف بسرية تامة في حساباتها من أجل الحد من  مكافحة غسيل الأموال بتلك البنوك اليمنية ومن حيث تشديد الإجراءات على ضرورة مكافحة الإرهاب، مما أدى إلى اتخاذ الكثير من التدابير الخاصة لمعالجة تبييض الأموال، الأمر الذي حد بدوره من السرية المصرفية».


السرية المصرفية 

 ويؤكد الدكتور صلاح ياسين المقطري أستاذ الاقتصاد والتمويل المساعد بكلية التجارة جامعة صنعاء أن  السرية المصرفية (Banking secrecy) قواعد تلزم المصارف بحفظ أسرار العملاء والمعلومات المتعلقة بهم وعملياتهم المصرفية باعتبار أن المصرف مؤتمن عليها حيث تقوم علاقة المصارف مع العملاء بناء على ثقة وكتمام المصارف لأسرارهم. وتعد أحد أهم مقومات العمل المصرفي وتزرع الثقة والطمأنينة لدى أصحاب رؤوس الأموال على سرية أعمالهم المصرفية وكافة المعلومات المتصلة بثرواتهم وبالتالي فإن هذه القواعد توفر الغطاء القانوني الملائم لمنع هروب رأس المال الوطني إلى خارج البلاد وتشجع المدخرات الوطنية خاصة تلك الدول التي لاتمتلك موارد طبيعية كبيرة، هذا من جهة، وتعمل على جذب واستقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية في المشاريع الوطنية، خاصة تلك التي لا تتمتع بلدانها بهذه الميزة من جهة أخرى. وينعكس إيجابا على نمو العمل المصرفي وبالتالي على تعبئة الموارد وتوظيفها وتحقيق نمو اقتصادي. 

وعلى الرغم من عدم صدور قانون خاص بالسرية المصرفية  في اليمن، إلا أن هناك مواد وفقرات في قانون البنك المركزي، وقانون مكافحة غسيل الأموال حدّد بشكل غير مباشر حدود اختراق المعلومات وسرية البيانات وكذلك الحالات التي يحق لوحدة جمع المعلومات طلب تلك المعلومات الخاصة بالعملاء وتبادلها.

ففي المادة رقم (45) من قانون البنك المركزي الفقرة (أ) تنص “على أن كل بنك ومؤسسة مالية أن تقدم للبنك في الوقت وبالطريقة التي يحددها أية معلومات أو كشوفات يطلبها لتأدية مهامه واختصاصاته”، والفقرة (ب) “للبنك أن ينشر صورة كاملة أو جزئية في الأوقات التي يقررها المعلومات المقدمة بموجب الفقرة (أ) من هذه المادة ولا تنشر أية معلومات تكشف عن الأصول المالية لأي بنك أو مؤسسة مالية إلا إذا حصل البنك على موافقتها الكتابية مقدما”، كما أخضع عدم التزام المصارف أو المؤسسات المالية للعقوبات في المادة (46) الفقرة (2) في حال مخالفة الفقرة (أ) في المادة (45).

ولعل من أهم سلبيات المذكورة آنفا، أنها تعد أهم العوامل المساعدة وتوفر المناخ الملائم لعملية غسل الأموال التي يتم خلالها خلط أموال شرعية بغير شرعية، بالإضافة إلى العوامل المساعدة الأخرى مثل : التجارة الحرة، تطور وسائل الاتصالات والتسهيلات الضريبية وتدفق الأموال بحرية، وتسهيلات الإقامة...)، وما يرتبط بذلك من أنشطة تعود سلبا على الاقتصاد  والمجتمع وتتمثل في الاتجار بالمخدرات والرشوة والاحتيال في القطاع الخاص والعام والفساد الإداري والعمولات التي يحصل عليها المسئولون في أجهزة الدولة وتهريب الأموال العامة وتجارة السلاح والتهرب الضريبي؛ فتعمل على تبذير أموال المجتمع وما ينجم عنه من تحويلات مالية كبيرة خاصة في الدول سهلة الاختراق والتي تتمتع بسرية مصرفية كبيرة فتضعف الثقة في الاقتصاد الوطني، وتساعد على تفاقم القيم الفاسدة في المجتمع وتحمي الفئات الخارجة عن القانون، وتؤثر سلبا على أسواق المال ومستويات سعر الصرف لقدرتهم في التأثير عليها، وكذلك تعمل على تشويه وتوزيع الثروة بطريقة غير عادلة.

ونظرا لمخاطر وسلبيات غسيل الأموال والناتجة عن السرية المصرية، أصدرت مجموعة العمل الدولية لمكافحة غسل الأموال عام 1989 توصياتها الأربعين ولحقتها بثمان أخرى، وأهم ما جاء فيها : تجريم عمليات غسل الأموال والتأكيد على مسئولية المؤسسات المالية والمصرفية في التعرف على عملائها والاحتفاظ بالسجلات اللازمة، كما تم التأكيد على مسئوليتها (المؤسسات المالية والمصرفية) في رفع تقارير بالعمليات المشبوهة إلى السلطات المعنية. وبعدها أصدرت لجنة بازل بيانات وإرشادات ومبادىء أساسية متوائمة مع توصيات مجموعة العمل الدولية، فمنعت استخدام القطاع المصرفي لأغراض غسل الأموال (1988) وإزالة القيود الخاصة بسرية الحسابات (1995) ولتعزيز الإجراءات المصرفية للحيلولة دون استخدام المصارف كقنوات لأغراض غير مشروعة وفي عام 1997، 2001 أصدرت مبادىء أساسية للتعرّف على العملاء «إعرف عميلك».

ولم تذهب اليمن بعيدا فيما يخص مكافحة غسل الأموال والذي بدوره عمل بشكل كبير على الحد من السرية المصرفية، والتي كانت محدودة أصلا، فقانون مكافحة غسل الأموال اليمني لعام 2010 لم يجز الاحتجاج عن التحقيق أو المحاكمة القضائية لمبدأ سرية الحسابات في جرائم غسل الأموال ومعاقبة المؤسسات المالية والمصرفية في حال عدم إبلاغها وحدة جمع المعلومات عن عمليات غسل الأموال وهذا ما جاء في المادة (50) « لا يجوز الاحتجاج بالسرية المالية والمصرفية في مواجهة وحدة المعلومات أو السلطات.، كما نصت المادة (32) « يجوز للوحدة ’وحدة جمع المعلومات’ من تلقاء نفسها أو بناء على طلب وحدات مناظرة لها في الدول الأخرى حق تبادل المعلومات متى كانت ملتزمة بقواعد السرية وشرط المعاملة بالمثل على أن يتم موافاة اللجنة ’اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال ومكافحة الارهاب’ بصور من تلك المعلومات ولا يجوز أن تستخدم تلك المعلومات إلا في الأغراض المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الارهاب وبشرط الحصول على موافقة الجهات المقدمة لتلك المعلومات.

كما ألزم القانون المؤسسات المالية والبنوك  التعرف على هوية عملائها وتوثيق عملياتها المالية، وهذا ما أوضحته المادة (7) والتي تنص« تلتزم المؤسسات المالية وغير المالية ببذل العناية الواجبة في التعرف على هوية العملاء والمستفيدين الحقيقيين من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين والتحقق منها وعلى الأخص وأهمها: 

عند القيام بعملية لعميل عابر تزيد قيمتها عن الحد الذي تبينه اللائحة  أو عند القيام بتحويلات برقية محلية أو دولية تزيد عن الحد الذي تبينه اللائحة. 

عند وجود شكوك حول دقة أو صحة بيانات التعرف المسجلة سلفا.

وجد شبهة جريمة غسل أموال أو تمويل إرهاب.

كما نصت المادتان الثامنة والتاسعة علىأن تلتزم المؤسسات المالية وغير المالية بتحديث البيانات والمعلومات والمستندات والخاصة بالحالات المنصوص عليها في المادة السابعة كما تلتزم بالمتابعة الدقيقة والمستمرة للعمليات التي يقوم بها العملاء بما في ذلك مصادر أموالهم عن اللزوم. 

وجملة القول، فإن للسرية المصرفية تأثيران متضادان ايجابي وسلبي ويجب أن تكون لها حدودها بحيث لا تكون مشبوهة لأنه إذا تجاوزت هذه السرية مصالح الناس والمجتمع فيجب تشريع قانون بذلك بشرط أن يتم اختراق السرية ويتجاوزها فيفقد العملاء والمستثمرون ثقتهم بالعمل المصرفي، فنأمل أن يصدر قانون سرية مصرفية، يعمل على تحقيق التوازن بين المصلحة العليا للدولة والمصلحة الخاصة للمتعاملين مع المصارف، بحيث يكفل الأساس القانوني لحماية أمن المدخرين والمستثمرين من كشف حساباتهم وأسرار تجارتهم، كما يضمن عدم استخدام مبدأ السرية لحسابات العملاء ويصبح شعارا لإخفاء عمليات مشبوهة (أهم مصادرها : تجارة المخدرات والتهريب واختلاس المال الخاص والعام والتعدي والاستيلاء عى العقارات وتزييف النقود وإساءة استخدام السلطة واستغلال النفوذ) على نحو يؤدي إلى الإضرار بالمصلحة العليا للدولة والمجتمع خاصة في بلد كاليمن تتعاظم فيه درجات اختراق وتجاوز القوانين وانتشار الفساد والرشوة ونهب المال العام والاحتيال. كما أن عدم صدور مثل تلك القوانين يفاقم المشكلة أكبر ويؤدي إلى هروب رؤوس الأموال والمدخرات الوطنية.


صحيفة مال وأعمال العدد (95) 18 ابريل 2012م


 

مواضيع ذات صلة :