وأصبحت الأسواق والتجارة وعمليات الإنتاج أكثر ترابطاً عبر الحدود، فمن السيارات والهواتف الذكية إلى أشباه الموصلات والروبوتات الصناعية، لم يعد هناك تقريباً أي منتج معقد يصنع في مكان واحد فقط.
ثم جاءت الجائحة، وأزمة الطاقة، ونقص العمالة، والتوترات الجيوسياسية، لتكشف مدى هشاشة هذا العالم المترابط الذي بنيناه، وأصبحت الشركات اليوم تعيد موازنة حساباتها، فتضع القدرة على الصمود إلى جانب التكلفة والكفاءة عند اتخاذ قراراتها المتعلقة بالاستثمار والتوريد والإنتاج. نتيجة لذلك، ظهر شكل إقليمي للعولمة.
وفي حين ساعدت الثورة الرقمية الأولى الشركات على تنسيق سلاسل الإمداد العالمية، تساعد الثورة الحالية على إعادة الإنتاج ليصبح أكثر محلية مرة أخرى، وينتقل التصنيع إلى مواقع أقرب للعملاء، مستنداً إلى شبكة مترابطة من التقنيات الرقمية في البرمجيات والبيانات والذكاء الاصطناعي.
وفي ما يعرف باسم «المصانع الريادية»، وهي تسمية أطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي على أكثر من 200 موقع للتصنيع الذكي، أدت هذه الأساليب الجديدة إلى رفع إنتاجية العمالة بنحو 40 %، وخفض الوقت اللازم لتعديل خطوط الإنتاج إلى النصف تقريباً، لكن توسيع نطاق هذه المكاسب يعتمد على قدرة الآلات والمصانع والشركات على تبادل البيانات وإعادة استخدام الحلول.
وتختلف اقتصاديات البرمجيات والبيانات والذكاء الاصطناعي عن اقتصاديات الخرسانة والفولاذ، فالمصانع والآلات والبنية التحتية لا تزال بحاجة إلى البناء والتكيف داخل كل سوق على حدة.
لكن النموذج الرقمي أو تطبيقات البرمجيات أو أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن تحسينها في مكان واحد وإعادة استخدامها في أماكن عدة، بشرط أن تكون الأنظمة قادرة على تبادل هذه الحلول وأن تمتلك إمكانية الوصول إلى البيانات ذات الصلة.
وعندما تتوافر الظروف المناسبة، تستطيع المصانع تكييف تصاميم أثبتت فعاليتها لتلبية الاحتياجات المحلية، كما يمكن نشر العمليات الأفضل على نطاق أوسع، ووصول المنتجات إلى أسواق جديدة من دون الحاجة إلى إعادة البناء من الصفر في كل مرة.
وهذا المنطق قوي بما يكفي لدفع الشركات المنافسة إلى بناء روابط تسمح للتكنولوجيا بالعمل عبر الحدود الوطنية.
وتُعد المعايير المشتركة الطريقة الأكثر وضوحاً لتحقيق ذلك، إذ يعمل الجميع وفق القواعد نفسها منذ البداية، أما قابلية التشغيل البيني فهي الحل الأفضل التالي، لأنها تسمح للأنظمة المختلفة بالعمل معاً من دون الحاجة إلى أن تصبح متطابقة.
ومن الأمثلة على ذلك تعاون أوروبي ياباني حديث ربط شبكات صناعية منفصلة في قطاع السيارات، مع احتفاظ كل طرف بالبنية التقنية الخاصة به.
لكن في الوقت الذي تبني فيه الشركات جسوراً رقمية، تعمل الجغرافيا السياسية بصورة متزايدة على رسم حدود جديدة، فالانقسام التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين يعيد تشكيل المشهد العالمي، مع سعي الحكومات إلى فرض سيطرة أكبر على التقنيات والبيانات وسلاسل الإمداد.
وأصبحت قيود التصدير، وقواعد توطين البيانات، ومتطلبات الأمن السيبراني المتباينة ترسم خطوطاً جديدة داخل عالم التكنولوجيا.
وكل حاجز جديد يجعل من الصعب أكثر ربط الأنظمة، وتوسيع نطاق الحلول الناجحة، وإيصال منتجات أفضل إلى الأسواق، وإذا استمر هذا الاتجاه من دون تدخل، فقد تتحول الحدود الرقمية إلى «ستار رقمي من حديد»، يبطئ التقدم والتجارة وتبادل الأفكار بين المجتمعات.
وهذا تحد عالمي. لكن أوروبا، بحكم وقوعها بين القوتين التكنولوجيتين العظميين، لديها مصلحة خاصة في إيجاد الحل، كما تملك فرصة فريدة للمساهمة في تشكيله.
فبدلاً من بناء جدار رقمي آخر، يمكنها أن تصبح حلقة وصل موثوقة، ومكاناً تعمل فيه الشركات والتقنيات والبيانات من مناطق مختلفة معاً، لكن تحقيق ذلك يتطلب بناء منظومة يرغب الآخرون في الانضمام إليها.
فلا يمكن لأوروبا أن تصبح حلقة الوصل العالمية إذا كانت معروفة أساساً بتنظيم التكنولوجيا ووضع القواعد لها، بدلاً من ابتكارها وتطويرها، وعليها الآن توفير الظروف المناسبة للشركات كي تقوم بما تجيده.
ويجب أن تصبح قابلية التشغيل البيني أولوية استراتيجية للاتحاد الأوروبي، فالتوسع في السوق الموحدة، سواء للمنتجات والخدمات الرقمية أو لكل شيء آخر، يمثل خطوة ضرورية لبناء المصداقية والقدرات معاً.
وحيثما لا توجد معايير مشتركة، ينبغي أن تكون الأولوية لتطوير واجهات قادرة على الربط بين الأنظمة المختلفة، سواء من خلال الشركات أم التحالفات الصناعية أم الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وأخيراً، ينبغي لأوروبا أن تجعل قابلية التشغيل البيني ركيزة أساسية في دبلوماسيتها الاقتصادية، فهذا العالم المترابط لا يمكن بناؤه بشكل منفرد.
ويمكن للشراكة التجارية الرقمية الناشئة مع اقتصادات منطقة المحيط الهادئ، بما في ذلك اليابان وأستراليا وكندا، أن تصبح نموذجاً واعداً لكيفية الجمع بين منظومات مختلفة.
ويبقى السؤال الأكبر على مستوى العالم: هل سيتم بناء القدرة على الصمود على أسس الترابط والتعاون، أم على أنظمة صممت لمنع الآخرين من الدخول؟ وسيحدد اختيار الإجابة ما إذا كان عالمنا الأكثر إقليمية سيظل قادراً على البقاء مترابطاً.
البيان بيزنس- فايننشال



