الأخبار نُشر

روسيا تتطلع إلى موطئ قدم اقتصادي على البحر الأحمر عبر بوابة السودان

تتجه الشراكة الاستراتيجية بين السودان وروسيا نحو مرحلة أكثر عمقاً، تتجاوز أطر التبادل التجاري التقليدي إلى مشاريع اقتصادية ولوجستية ذات أبعاد استراتيجية، في مقدمتها إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر.

روسيا تتطلع إلى موطئ قدم اقتصادي على البحر الأحمر عبر بوابة السودان

وتشمل الخطط المطروحة إتاحة المجال أمام روسيا لإقامة مرافق متخصصة لتخزين الحبوب والوقود، في خطوة من شأنها تعزيز حضورها الاقتصادي في المنطقة، وتوسيع نفوذها في أسواق الطاقة والغذاء، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر.

وهو ما وصفه خبراء اقتصاد بأنه يوفر مزايا اقتصادية وتنموية مهمة للسودان تعمل على جذب المستثمرين وضخ رؤوس أموال في مشاريع لوجستية في حال تنفيذ المقترح، كذلك إن منح روسيا مربعات للتعدين، من شأنه أن يقلل من مخاطر التعدين التقليدي، ويسهم في جذب المزيد من الشركات المتخصصة في البحث عن الذهب في البلد الذي يعاني اقتصادياً بسبب الحرب المتواصلة منذ سنوات.

وتقدم رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، أخيراً، بمقترح للجانب الروسي لإقامة منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر تتيح لموسكو إنشاء مرافق لتخزين الوقود والحبوب، وعرض السودان منح شركات روسية فرصاً للاستثمار في قطاع التعدين، ولا سيما استخراج الذهب والنحاس، بالإضافة إلى طلب الدعم لتطوير شبكة السكك الحديدية والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، في وقت أعلن فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن حجم التبادل التجاري بين البلدين سجل نمواً ملحوظاً، إذ ارتفع بأكثر من الضعف خلال العام الماضي، قبل أن يُواصل صعوده بنسبة 25% خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى أغسطس/ آب 2026 مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق. ووصف بوتين، خلال لقائه البرهان في الكرملين في 30 أكتوبر 2026، السودان بأنه أحد أهم الشركاء التجاريين لروسيا في أفريقيا.

وكان السودان وروسيا قد وقّعا في عام 2020 اتفاقية لإقامة منشأة بحرية روسية في السودان قادرة على استقبال سفن حربية تعمل بالطاقة النووية، على أن تكون المنشأة الجديدة المقرر بناؤها بالقرب من ميناء بورتسودان قادرة على استيعاب ما يصل إلى 300 عسكري ومدني، وتُستخدم القاعدة في عمليات الإصلاح وإعادة الإمداد والتموين.

شراكة استراتيجية

يُبدي السودان أمله في تطوير العلاقات بروسيا إلى شراكة استراتيجية تقوم على المصالح المشتركة، وأن تشارك روسيا بفاعلية كبيرة في عملية إعادة الإعمار، حيث وقّع السودان في سبتمبر/ أيلول من عام 2025 على بروتوكول تعاون اقتصادي وتجاري، إضافة إلى مذكرتي تفاهم في مجالات النقل والبنية التحتية والمصارف، وذلك خلال اجتماعات اللجنة الوزارية للتعاون الاقتصادي. ويرغب السودان في تفعيل مذكرات التفاهم في مجالات النقل، البنية التحتية، الطاقة، النفط، والزراعة.

وظلت العلاقات التجارية بين البلدين محصورة في صادرات روسية إلى السودان، التي تشمل القمح، الماكينات، التقنيات، الأجهزة الكهربائية، ومواد البناء، ويُصدَّر جزء من السلع الروسية إلى السودان من طريق شركات وساطة من دول مختلفة. أما الواردات الروسية من السودان، فتحتوي على المنتجات الزراعية كالقطن، الكركديه، السمسم، والفول السوداني.

ووفقًا للمركز الفيدرالي لتنمية الصادرات الزراعية في روسيا، فقد تضاعفت صادرات القمح الروسي إلى السودان أكثر من مرتين خلال الموسم الزراعي 2025/ 2026، وبحلول أوائل إبريل/ نيسان بلغت الصادرات 1.7 مليون طن، منها 1.1 مليون طن من القمح صُدِّرت خلال الموسم الزراعي 2024/ 2025 بأكمله.

مزايا اقتصادية وتنموية

يؤكد اقتصاديون سودانيون، في حديثهم لـ"العربي الجديد"، أن إنشاء منطقة حرة على ساحل البحر الأحمر يوفر مزايا اقتصادية وتنموية مهمة لاستقطاب المستثمرين الإقليميين والدوليين لضخ رؤوس أموال في مشاريع لوجستية، صناعية، وسياحية، من خلال استغلال موقع البحر الأحمر الاستراتيجي، لكونه أحد أهم ممرات التجارة العالمية غير المستغلة بالكامل، إضافة إلى توفير آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة للكوادر الوطنية وتدريبها في مختلف القطاعات، وتنويع الاقتصاد ودعم الناتج المحلي عبر تفعيل الموارد غير المستغلة.

يقول الخبير الاقتصادي هاشم البدري لـ"العربي الجديد" إن الخطوة تمثل خروج السودان من دولة هامشية إلى مركز لوجستي عالمي وبوابة لروسيا وأفريقيا، وبذلك يرى أن التجارة الروسية السودانية ستزيد بنسبة 25% في عام 2027، توطئة ليكون السودان ضمن أكبر 10 شركاء لروسيا في أفريقيا، بالإضافة إلى فتح باب الاستثمار الحقيقي بديلاً من التهريب. وأضاف أن السودان يملك ثالث أكبر احتياطي ذهب في أفريقيا، حيث ينتج رسمياً 100 طن "وما خفي أعظم"، مشيراً إلى أن النحاس معدن المستقبل للسيارات الكهربائية، وبدلاً من أن يأخذه مرتزقة روس تهريباً، ستأخذه شركات روسية رسمية بعقود عبر وزارة المعادن.

ويرى البدري أن ما يحتاجه السودان هو الغذاء والطاقة، وليس السلاح فقط، وبرهن على ذلك بالأرقام، موضحاً أن استهلاك السودان من القمح يراوح بين 2.5 و2.9 مليون طن سنوياً، بينما تراجع الإنتاج المحلي إلى 410 آلاف طن فقط عام 2026، وأضاف: "يعني أننا ننتج 15% فقط ونستورد أكثر من 80%، كذلك إن فاتورة استيراد القمح بلغت 1.1 مليار دولار في 2019، وستصل إلى 1.58 مليار دولار مع الشحن والتأمين لسد العجز الحالي".

أما الوقود، فإن السودان كان يكرر 70% منه محلياً، ولكنه اليوم يستورد 80-90% منه. وأضاف: خلال تسعة أشهر من عام 2025 استوردنا وقوداً بـ 975 مليون دولار، بمعدل 1.3 مليار سنوياً، وهذا يلتهم كل عائد الذهب الرسمي (1.5 مليار) حسب البدري. ويؤكد أن جعل النقطة التجارية على البحر الأحمر مستودعاً للسلع يُعد طلباً ممتازاً؛ لأن القمح والوقود سلعتان اقتصاديتان وسياسيتان، باعتبار أن القارة الأفريقية بأكملها تحتاج إلى الوقود لتحريك الإنتاج وحركة المواطنين، والنقص فيهما يؤدي إلى اضطرابات سياسية. وبالنسبة إلى السودان، فإن الموضوع مهم، لأن البلاد تعاني في توفير هاتين السلعتين، وعدم وجودهما يسبب مشاكل واضطراباً سياسياً بسبب انخفاض الإنتاج وتراجع الصادرات والميزان التجاري، وبالتالي انخفاض قيمة العملة الوطنية، وفق الخبير السوداني.

من جانبه، يصف أستاذ الاقتصاد بالجامعات السودانية، محمد الناير، ما عُرض في موسكو بأنه "مشروع استراتيجي يشكل أهمية كبيرة جداً؛ أولاً، السودان بوابة أفريقيا، ويمتلك حوالى 750 كيلومتراً على ساحل البحر الأحمر، وروسيا لديها إنتاج من النفط يتجاوز 10 ملايين برميل يومياً، ويمثل إنتاجها من الحبوب نسبة عالية من الإنتاج العالمي". ويؤكد أن قيام منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر يشكل استراتيجية مهمة تفيد الاقتصاد السوداني والروسي والأفريقي؛ بمعنى أن روسيا تقيم منشآت حيوية ومستودعات لتخزين الوقود والقمح، وبالتأكيد هذا يجعل العالم يتفادى تعقد سلاسل الإمداد الذي يحدث هنا وهناك، مثلما حدث في منطقة الخليج والحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز وتعقد سلاسل الإمداد بصورة كبيرة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الاستراتيجية بشكل كبير.

وفي ما يتعلق بعرض مربعات التعدين، رأى الناير أن روسيا لديها بالأساس وجود في قطاع التعدين في السودان، وتجمعهما أعمال مشتركة في تحديث الخرائط، وبالتالي رأى أن منحها مربعات للتنفيذ والتنقيب عن الذهب والنحاس يسهم في زيادة معدلات الإنتاج في قطاع التعدين بالسودان.


 

مواضيع ذات صلة :