جدل وتحقيقات نُشر

الإقتصاد الأخضر .. سفينة أمان العالم للعبور إلى مستقبل أفضل - ص2

يواجه المجتمع الدولي العديد من التحديات العالمية التي تبلورت في الإنهيار المالي والإقصادي الذي عصف به دون مقدمات   وأسباب واضحة ، فضلاً عن أزمات مجالات الطاقة والغذاء والبيئة ؛ حيث إنحصرت تلك التحديات في عامي 2009 و2008 لذلك لهما ذكراً وأحداث خاصة ترسخت في ذهن العالم أجمع..

تجولنا على مدار 3 موضوعات عن الإنهيار البيئي والوقود الحيوي وغيرها من الأزمات البيئية وطرحنا أسبابها والحلول الممكنة للحد منها؛ فاليوم لنا وقفة مع ( الإقتصاد الأخضر ) عين المستقبل القادم الذي ينتشل الإقتصاد التقليدي من غرقة..لكن هل " بصيص الأمل " اليوم سيأخذنا إلى آفاق واسعة لعالم جديد وأفضل وتنمية مستدامة..؟ أم سيعمل فقط علي تحفيز الإقتصاد القديم ..؟

فختام رحلتنا داخل البيئة مع ( الإقتصاد الأخضر ) هي كالتالي ..

إعداد الزميلة إلهام محمد علي محمد

الإقتصاد الأخضر في سطور

بات التوجه نحو الإقتصاد الأخضر يشكل أحد الخيارات الرئيسية أمام العالم خلال المرحلة المقبلة‏، لإعتبارات تتعلق بالمصالح الداخلية وتحقيق التنمية المستدامة‏ ، وحتي الأمن القومي للدول‏؛‏ وباتت هذه القضية تشكل أولوية قصوي لدي أوربا والولايات المتحدة واليابان بل أن دولاً مثل الصين وكوريا والهند تخطو خطوات سريعة الآن للحاق بهذا القطار‏.‏

فعند أخذ جولة سريعه عن ( الإقتصاد الأخضر ) نجد أن هذا المصطلح ظهر منذ سنوات طويلة وتنامي في أعقاب توقيع معاهدة‏ (‏ كيوتو) لمؤتمر الأمم المتحدة للمناخ باليابان عام‏1997‏ بشأن حماية البيئة من التغيرات المناخية والإنبعاثات الحرارية‏ ، وإزداد الإهتمام به بعد بروز مخاطر التسربات الإشعاعية الذرية من مفاعل‏( تشيرنوبل‏ ) السوفييتي‏ ، وتزايدت معه الضغوط الشعبية علي الحكومات بعد ظهور هذا الخطر‏.‏

وعندما تجاوزت العلاقة بين الإنتاج والإستهلاك التوازن المطلوب وصلت البيئة إلي نقطة حرجة تعد الخط الفاصل بين الإستخدام الرشيد للموارد والإستغلال السييء لها حيث تفاقمت المشاكل من جراء ما تتعرض له البيئة من تدمير كلي طال جميع مظاهر التنمية الإقتصادية والاجتماعية في مواضع كثيرة من العالم‏.‏

ولما كان أي تصرف مخالف للبيئة ترتكبه أي دولة ينتقل إلي الدول الأخري بصورة تلقائية من خلال الهواء والمياه أو المنتجات التي تصدرها‏، دفع هذا الأمر إلي التفكير في تحرك العالم لضبط وترشيد إستخدام الموارد الإقتصادية‏ ، للحفاظ علي البيئة من ناحية وتواصل عملية التنمية من ناحية أخري‏.‏

وكان المؤتمر الأول للأمم المتحدة حول البيئة والتنمية الذي عقد في سبعينيات القرن الماضي يسعي إلي تحقيق الإنسجام والتكامل بين البيئة والتنمية من كل الجوانب‏ "إقتصادياً وقانونياً وإعلاميا‏ًً".

فالإقتصاد الأخضر كمفهوم قد أصبح مطلباً أساسياً وحتمياً وذلك لإيقاف التدهور البيئي المتمثل فى تفاقم ظاهرة تغير المناخ وتلك التداعيات والآثار المدمرة التى من المتوقع أن تترتب عليها والتى بات من المحتم على الدول مواجهتها أحد المظاهر المضادة للغة الإقتصاد الأخضر كإقتلاع الأشجارو الغابات والقضاء و الإفراط الجائر لأنواع الوقود الأحفورى ( كالفحم والبترول ) التى تعد المسئول الأول عن زيادة ظاهرة الدفء الحراري..

الإقتصاد الأخضر وعلاقتة بالأزمة العالمية

وفي هذا الصدد يقول السفير د‏.‏ خالد عمارة‏ ( نائب مساعد وزير الخارجية المصرية للعلاقات الإقتصادية الدولية‏ ) إن هذه التوجهات شجعت علي التوجه نحو الإقتصاد الأخضر‏ ،خاصة مع بروز الأزمة المالية العالمية مؤخرا‏ًً‏ وإصطدام النموذج الرأسمالي بهذه الأزمة‏، مما دفع دول العالم خاصة المتقدمه للبحث عن مخرج منها‏.‏

من ثم بدأ التفكير في النمو الإقتصادي الأخضر من خلال مشروعات ونشاطات ترتبط بالبيئة وتضعها كمعيار أساسي لها‏ ، بالحفاظ عليها والعمل من أجل الإستخدام الأمثل للموارد الطبيعية‏.‏

ويضيف نائب مساعد وزير الخارجية أن من شأن هذا التوجه أن يسهم في سرعة تجاوز الأزمة المالية وآثارها‏ ، حيث بدأت الولايات المتحدة خطوات جادة في هذا الإتجاه وإتخاذ اجراءات لعرض مناقصات حكومية لإضافة مبان حكومية تتفق مع مواصفات المعايير البيئية‏ ، وأن تكون هذه الأبنية موفرة للطاقة والكهرباء‏ ، كما قطعت دول آسيوية أشواطاً كبيرة بهذا التوجه مثل‏:‏ الصين واليابان وأستراليا الي جانب كوريا التي تنفذ برنامجاً ضخماً وطموحاً بهذا الصدد‏.‏

وحتي في مجال النقل بات توجه العالم المتقدم بإتجاه إستخدام وسائل أقل إستهلاكاً للوقود والطاقة مثل: الدراجات البخارية وغيرها من وسائل تقليدية‏.‏

ويشير في هذا الصدد إلي التجربة (الكورية‏ الجنوبية‏ ) التي تلقي دعماً من برنامج الأمم المتحدة للبيئة‏،‏ الذي يلعب دوراً كبيراً في تعظيم وترسيخ الإقتصاد الأخضر‏.‏

وتعتمد هذه الدول علي خطة من عدة محاور في مقدمتها التوجه نحو الطاقة الجديدة والمتجددة‏,، وإعادة تدوير القمامة والمخلفات‏ ،وتحويل وسائل النقل وتطويرها لكي تتواءم مع البيئة‏،‏ إلي الوسائل التي لا تعتمد علي الطاقة خاصة النفط‏ ، بالاضافة إلي ترشيد إستخدام الموارد المائية من أسماك وما تنتجه البحار من موارد أخري‏.‏

مصر والإقتصاد النظيف

وفي حديثه يكشف نائب مساعد وزير الخارجية عن مشروعات يمكن أن تقيمها مصر تشمل مجالات حيوية عديدة من بينها ما يتصل بالمحافظة علي الدلتا من الغرق وإنقاذ ملايين الأفدنة‏ ، وتوليد الطاقة من مياه البحر‏.‏

ثم هناك مشروع النقل العام وهو أحد المشروعات المهمة التي تحتاج إليها مصر في المستقبل‏،‏ وإيجاد نظم بديلة من خلال إنشاء شبكة للقطارات صديقة للبيئة التي تعمل بالكهرباء والغاز أو الطاقة الشمسية أو الطاقة المولدة من الرياح‏ ، بحيث تربط هذه الشبكة بين مختلف المدن سواء الصناعية‏ ، أو المحافظات والمدن التي هي محط الجذب السياحي مثل: سيناء والأقصر والإسكندرية والقاهرة‏.‏

كما أن اللجوء إلي الدراجات البخارية في وسط المدن بات توجها ملحوظاً لأن مثل هذه القطارات وشبكات المترو ستدفع الناس إلي الإستعاضة عن سياراتهم بها‏ ، وأن الحركة داخل المدن ستكون من خلال هذه الدراجات أو السيارات الصغيرة التي تتخلي عن البنزين وتعمل بوقود مولد من الطاقة الجديدة وكذا إستخدام مركبات النيل كوسيلة نقل مهمة‏.‏

الإقتصاد الأخضرهدف التنمية الصينية

قدر عدد من الخبراء المشاهير الأجانب فى المناخ جهود الصين فى بناء الحضارة الأيكولوجية تقديراً إيجابياً ؛حيث يعتقدون أن الحكومة الصينية تولى إهتماماً بالغاً بقضية تغيرالمناخ، وتبذل جهوداً كبيرة لتطوير إقتصاد منخفض الكربون وقد حققت منجزات ملحوظ فى ذات الشأن .

ويعتقد جميعهم أن بناء الحضارة الأيكولوجية الذى تنادى به الصين قد أسهم إسهاماً جليلاً للإستجابة العالمية لتغير المناخ.

قال الكوثل (نائب الرئيس الصيني والرئيس التنفيذي السابق للبنك الدولي) وهو أيضا استاذ فى معهد لندن للسياسة والإقتصاد: (إن الصين تحل المرتبة العالمية الأولى لعدة سنوات متتالية فى سرعة زيادة الطاقة المتجددة مثل: طاقة الرياح والطاقة الشمسية "أنا متفائل بآفاق تنمية الإقتصاد الأخضر فى الصين" ).

وقال (لو قاو تشينغ ) نائب رئيس جامعة كوينزلاند الإسترالية وهو المسئول عن الأبحاث العلمية فى الجامعة:"إن الصين تعمل بنشاط في تعزيز سياسة إقتصاد منخفض الكربون،وتتخذ إجراءات عملية خطوة خطوة".

وأضاف نفسه "أن الإنجازات العظيمة التى حققتها الصين فى مجال حماية البيئة فى السنوات الأخيرة تجذب أنظار العالم،وتحسنت نوعية الهواء فى الصين كثيراً.

وأكد إنه لن تكون هذه الانجازات بدون السياسات البيئية السليمة في الصين،فضلاً عن إهتمامها الكبير بتطوير وإستغلال تكنولوجيا حماية البيئة.

فالصين وضعت التنمية المستدامة على جدول أعمال المهمة،وتتخذ الإقتصاد الأخضر هدف التنمية لها،أى تطور الإقتصاد وتكافح التلوث فى وقت واحد.

وقد عززت (اولمبياد بكين 2008 ) وسيعزز(معرض اكسبو العالمى)، فى شانغهاى القادم تطور قضية حماية البيئة فى الصين بشكل فعال،كما يعززان الوعي البيئي للمواطنين والشركات فى الصين كثيراً.

كما يعتقد أستاذ (توماس جيم هيلر) نائب الرئيس السابق لجامعة ستانفورد أن الصين قد بدأت ايجاد سبل لتحقيق التدافع بين النمو الاقتصادي وضمان جودة البيئة فى علمية تنفيذ الخطة "الخمسية الحادية عشرة". 


ومن المتوقع أن تواصل الصين تنفيذ التدابير لتحسين كفاءة الطاقة وسياسات استعادة الغابات فى الخطة الخمسية القادمة،وتدفع الابتكار والتطور التكنولوجي وتخفض اسعار المنتجات المنخفضة الكربون.قد أوضحت الصين خطتها للتعجيل في تغيير نمط التنمية الاقتصادية،وتجسد هذه الخطة أفكارها لتنمية الاقتصاد المنخفض الكربون بقيادة أفعال الدولة.

حيث عرف دكتور (مارك ليفين) مدير مشاريع الطاقة الصينية لمختبر لورنس بيركلي الوطني الأمريكي وهو أيضا خبير معروف فى مجال الطاقة ومستشار للتعاون الصيني الأمريكي فى مجالات الطاقة وتغير المناخ فى وزارة الطاقة الامريكية ؛ بأن تنمية الطاقة النظيفة وبناء الحضارة الإيكولوجية فى الصين بشكل واضح بقوله:" إن الصين تتصدرالعالم فى مجال صياغة وتنفيذ السياسات لتوفير الطاقة وخفض إستهلاك الطاقة.

وقد وضعت الخطة "الخمسية الحادية عشرة" هدفا طموحاً: خفض إستهلاك الطاقة لوحدة من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 20% تقريبا عماً فى نهاية الخطة الخمسية العاشرة.

وفى عملية تنفيذ الخطة،أقامت الصين آلية جديدة لتحسين كفاءة الطاقة،نفذت مشروع توفير 1000 شركة للطاقة. ومن أجل توفير الطاقة،ركزت الصين على تعزيز الرقابة والادارة للشركات الصناعية التى تستهلك الطاقة أكثر من 10 آلاف طن من الفحم القياسي كل عام،وبفضل الاجراءات المذكورة سابقا ،حققت الصين نجاحا كبيرا.ويمكننا أن تقارن معايير توفير الطاقة التى تنفذها الصين فى قطاعات البناء،السيارات والأجهزة المنزلية مع المعايير فى البلدان المتقدمة.

وحققت الصين انجازات كبيرة فى امدادات الطاقة النظيفة مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية حتى تصبح رائدا فى العديد من المجالات فى العالم."

الأمن القومي في أعين الأخضر

لقد ارتبط مفهوم الأمن القومي للدولة في الماضي بالأمن العسكري، ولذلك كان التركيز على بناء قوة قادرة على التعامل مع الأخطار الخارجية باستخدام الأعمال العسكرية، ولكن التفسير الشامل للأمن القومي في الوقت الراهن هو قدرة الدولة على تأمين استمرار مصادر قوتها في كل المجالات بما فيها المجال الاقتصادي لمواجهة المخاطر التي تهددها وتأمين متطلبات الحياة الأساسية لأبنائها في الحاضر والمستقبل، ويرتبط هذا التأمين بتلوث البيئة أو الاستخدام الجائر للموارد الذي قد يؤدي إلى خلل داخلي وانهيار عناصر قوة الدولة، ولذلك أصبح التحدي الذي يواجه العالم على المستوى الوطني أو الإقليمي أو العالمي يتعلق بالتوفيق بين النمو الاقتصادي والسكاني من ناحية، وبين الحفاظ على العناصر الأساسية للحياة من خلال الحفاظ على البيئة من ناحية أخرى. ومن هنا أصبحت المشاكل البيئية من الممكن أن تهدد الأمن القومي من خلال التأثير على الانتعاش الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، بل إن تأثير مشاكل البيئة امتد إلى تغيير مفهوم الأمن العالمي الذي انتقل من "توازن القوى والردع والتعايش السلمي والأمن الجماعي" إلى مفهوم آخر هو "الأمن المشترك" والذي يقوم على أن الأمن الحقيقي لا يمكن توافره إلا من خلال التعاون والتنسيق بين جميع الدول حتى الأعداء، وذلك لأن تدمير البيئة من خلال النشاط الاقتصادي يؤدي إلى الضعف الاقتصادي والاجتماعي وتهديد نوعية الحياة للإنسان على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، ومن ثم يصبح التنافس بين الدول أكثر ضراوة، ويؤدي إلى نشوب توترات سياسية، ولذلك أصبح هناك تداخل بين المشاكل الاقتصادية والسياسية من جانب، وبين المشاكل البيئية من جانب آخر. ولم يعد من الصواب أن نقول إن التنمية التي تتعدى الحدود الطبيعية تعتبر تلوثًا، وإنما الصحيح أن نقول إن تلوث البيئة يمنع التنمية أصلاً، فتلوث المياه يفسد الزراعة.

كما لم يعد من الصواب أن نقول فقط إن النزاعات الداخلية أو فيما بين الدول تؤثر على البيئة، بل الصحيح أن نقول إن تدهور البيئة يؤدي إلى اشتعال الصراعات بين الدول.

هل أصبحت التنمية إستغلال للبيئة ..؟

لقد أدى إدخال البعد البيئي في مجال الاقتصاد إلى تغير مفهوم التنمية الاقتصادية من مجرد زيادة استغلال الموارد الاقتصادية النادرة لإشباع الحاجات الإنسانية المتعددة والمتجددة إلى مفهوم "التنمية المتواصلة أو التنمية المستدامة " حيث تعرف التنمية المستدامة أو المتواصلة بأنها: نوع من أنواع التنمية تفي باحتياجات الحاضر دون الجور على قدرة الأجيال القادمة في تحقيق متطلباتهم، فالتنمية المتواصلة لا تمنع استغلال الموارد الاقتصادية مثل: المياه والنفط والغابات، ولكنها تمنع الاستغلال الجائر لهذه الموارد بالدرجة التي تؤثر على نصيب الأجيال القادمة من هذه الموارد، وخاصة إذا كانت موارد قابلة للنضوب أو غير متجددة كالنفط مثلاً.

في نفس الوقت تمنع التنمية المتواصلة تحميل الأجيال القادمة أعباء إصلاح البيئة التي تلوثها الأجيال الحالية. وأصبح هناك تفرقة في نظريات التنمية الاقتصادية بين التنمية التي تراعي الجوانب البيئية وتعرف بالتنمية الخضراء أو المتواصلة أو المستدامة وبين التنمية الاقتصادية البحتة التي لا تراعي البعد البيئي والتي أصبحت محل انتقاد من كافة الأوساط والمؤسسات الاقتصادية العالمية؛ لدرجة أن البعض يطلق عليها "تنمية سوداء"، وقد أصبحت المؤسسات الاقتصادية العالمية تهتم بإعداد حسابات قومية على أساس مراعاة البعد البيئي، وتعرف باسم "الحسابات القومية الخضراء" وهي حسابات تقوم على أساس اعتبار أن أي تحسن في ظروف البيئة وفي الموارد الاقتصادية هي زيادة في أصول الدولة، وأن أي تناقص في الموارد الاقتصادية أو إضرار بالبيئة هو زيادة في التزامات الدولة ونقص في أصولها.

نصيب الفقراء من الإقتصاد الأخضر

ولكن ماذا عن الفقر..؟ هل يمكن أن يساعد الاقتصاد الأخضر أو الطاقة المتجددة في حل المشكلات التي استهدفتها الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة والتي لا تزال تجاهد في تحقيقها؟ إليك الجواب على هيئة مثال: جرامين شاكتي، هي شركة أنشأها الحائز على جائزة نوبل للسلام البروفيسور محمد يونس في بنجلاديش.

وقد أحدثت هذه الشركة ثورة كبيرة في مجال الطاقة المتجددة في البلاد منذ عام 1996، فقد موّلت وباعت وحدات طاقة شمسية ووفرت مصادر الطاقة النظيفة لأكثر من 8000 منزل في بنجلاديش كل شهر.

وأصبحت النساء اللاتي اشترين هذه الوحدات فيما بعد موزعات للطاقة، ويبعن الطاقة الشمسية إلى المنازل المجاورة بمبالغ لا تزيد على التكلفة الشهرية لوقودهن التقليدي من الكيروسين.

إن الرئيس التنفيذي لشركة جرامين شاكتي، وهو ديبال باروا، لديه رؤية حول استخدام الطاقة النظيفة، وانتشال البنجلاديشيات القرويات من الفقر والمرض، وتحويل مليون منزل من استخدام مواقد الكيروسين الضارة بالصحة إلى استخدام الوحدات الشمسية بحلول العام المقبل.

ولكن هل الإستثمارات "الخضراء" في برامج الاقتصاد الأخضر تكفي، وهل الظروف مواتية لحقبة جديدة من النمو الأخضر؟

هذه أسئلة جوهرية في "مبادرة الاقتصاد الأخضر" ؛ وللإجابة عن هذه الأسئلة، فقد ركزت المبادرة جهودها على القطاعات الرئيسة للاستثمار الأخضر وهي الطاقة المتجددة والطاقة الريفية، والتكنولوجيا النظيفة، وإدارة النفايات والمواد، والمدن المستدامة، والبنية الأساسية التجارية والبيئية المعتمدة على التنوع البيولوجي.

ومن المقرر إصدار ورقة الأعمال الأولى من المبادرة، وهي بعنوان الاتفاق العالمي الأخضر الجديد، خلال بضعة أشهر.

وستعمل المبادرة على لفت أنظار صانعي السياسات إلى فرص الاستثمار الأخضر التي تتمثل في توزيع مثالي للأموال العامة يمكنه ليس فقط استعادة النمو الاقتصادي والتوظيف، ولكنه يحقق ذلك أيضا بطريقة مستدامة على المدى الطويل، وهو ما يمثل أفضل وسيلة لإعادة الاستثمار في الأموال العامة.

ولكن هل سيتعين على العالم أن ينتظر ظهور الإرادة السياسية وتنظيمها لتحقيق النمو المستدام المنشود؟ ربما لا. "إن الاقتصاد الأخضر يشق طريقه لبناء ما تقوض من الاقتصاد التقليدي"على حد قول لورانس بلوم، رئيس مجموعة قطاع "المدن المستدامة" في مبادرة الاقتصاد الأخضر. ونأمل أن تتم إتاحة الفرصة أمام النماذج الناجحة التي رأيناها لكي تزداد من حيث الحجم والاستثمارات وبذلك تدفع العالم نحو ظروف أفضل. إن رؤيتنا تتلخص في بناء مجتمع عالمي يعيش في وئام مع الطبيعة ويقوم بنجاح على اقتصاد أخضر عالمي.

النظام العالمي يطالب بالأخضر

لقد تم إدخال مفهوم الإقتصاد الأخضر والتنمية الخضراء في قواعد النظام العالمي الجديد، فأصبحت المعايير البيئية من أهم الشروط التي يجب توافرها في السلعة حتى تدخل إلى الأسواق العالمية، وأصبح من حق بلدان العالم منع دخول سلعة معينة إلى أسواقها لأن الدولة المنتجة لها لا تراعي البعد البيئي عند إنتاج هذه السلعة مثل: السلع الملوثة للبيئة، أو السلع التي يقوم إنتاجها على أساس الاستغلال الجائر للموارد، أو تؤثر على التوازن البيئي؛ مثل: تجارة العاج المأخوذ من الأفيال، أو الفرو المأخوذ من الحيوانات النادرة، أو السلع التي يمكن أن تضر بالصحة الإنسانية مثل: السلع الزراعية أو الفواكه التي يستخدم في إنتاجها أسمدة كيماوية معينة مثل: اليوريا أو ترش بمواد كيماوية أو تستخدم طرق الهندسة الوراثية أو التعديلات الجينية في إنتاجها، ولذلك أصبحت المصانع والمزارع في أغلب بلدان العالم حريصة على وضع علامة على منتجاتها توضح أن هذه المنتجات خضراء أو أنتجت بطريقة آمنة بيئيًا. كما ظهرت مؤسسات دولية لمنح شهادات دولية للمصانع والمزارع التي تراعي الجوانب البيئية مثل شهادة الأيزو 14000.

وعلى مستوى المنشآت أصبحت هناك مراكز تجارية عالمية متخصصة في بيع السلع الخضراء التي تنتج بطريقة آمنة بيئيًا، وأطلق على هذه المتاجر "المتاجر الخضراء" وأصبحت تلقى إقبالاً كبيرًا من المستهلكين، وفي السنتين الماضيتين أصبحت بعض مؤسسات التمويل الدولية والقومية في بعض الدول تمتنع عن تقديم تمويل أو دعم للمشروعات التي لا تراعي الجوانب البيئية. وظهرت بنوك لا تمول أو تساهم في مشروعات تلوث البيئة؛ وعرفت هذه البنوك بأنها " بنوك خضراء" وظهر التمويل الأخضر؛ والذي أصبح مجالاً جديدًا للتنافس بين البنوك لجذب عملاء جدد.

ورغم الإهتمام العالمي والإقليمي والقومي بالبعد البيئي للتنمية إلا أنه يبقى عنصر هام جدا لتفعيل عملية الحفاظ على البيئة وضمان تواصل عملية التنمية؛ هذا العنصر هو: الوعي البيئي للفرد نفسه والذي إذا توفر فإنه يكون أكثر فاعلية من سن القوانين والتشريعات، ويوفر كثيرًا من الجهد والمال، ومن ذلك إشاعة التعاليم الإسلامية التي تحث على الحفاظ على البيئة بسلوكيات محددة تجلب له كرامة واحترامًا في الحياة وأجرًا في وثوابًا في الآخرة.

لم تنتهي جولتنا البيئية عند هذة النقطة، فما توقفنا عنده يعد بصيص أمل لأحد مشكلات البيئة المتنامية بنمو الإهدار البيئي ؛ بجانب بعض الحلول التي تدمر البيئة قبل إصلاحها ، فدائماً مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة ، فما علينا هو أن نبدأ بأنفسنا تجاه تعاملنا مع البيئة ، ونعي أنها لها حق علينا من الرعاية والإهتمام ، فمازال الضوء الأحمر يبعث إشاراته للعالم أجمع لينقظ البيئة من السيل العرم الذي لحق بها ..

فهرس المقال


 

مواضيع ذات صلة :