وارتفعت أسعار النفط 20 % منذ الجمعة الماضية، لكن الهجمات سبَّبت تقلص صادرات المحروقات الحيوية عبر مضيق هرمز وسبَّبت أيضاً في وقف الإنتاج في منشآت منها أكبر مصفاة تابعة لشركة أرامكو داخل المملكة، ومواقع للغاز الطبيعي المسال في قطر، ويقول محللون إن استمرار الصراع ربما يدفع وزارات المالية في الرياض وأبوظبي والدوحة والكويت إلى التحرك، مع مواجهة الحكومات ضغوطاً إضافية ناجمة عن ارتفاع تكاليف الدفاع واضطراب الإمدادات، بدءاً من الغذاء وحتى الأدوية، فضلاً عن التباطؤ الاقتصادي الأوسع الذي قد ينجم عن ذلك.
وقال روبرت موجيلنيكي المقيم في باريس، والذي يدير شركة استشارات استثمارية وجيوسياسية وهو باحث غير مقيم في معهد دول الخليج العربية، إن" صناديق الثروة السيادية تمنح دولاً مثل الإمارات احتياطيات مالية قوية، وستعول الحكومات الإقليمية على مخزوناتها الضخمة من الثروة السيادية عند الحاجة"، وسيؤدي الاضطراب المستمر في حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط المستهلك عالمياً، إلى التأثير على شركتي النفط العملاقتين أرامكو السعودية وبترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، اللتين اعتادتا على مر السنوات شحن غالبية صادراتهما من النفط الخام عبر المضيق.
ورغم توفر طرق بديلة، لا تكفي طاقة الشركتين الاستيعابية لتعويض حجم الشحنات التي تُنقل عادة من الخليج. وذكرت مجموعة الأبحاث "غلوبال.إس.دبليو.إف" في تقرير صدر يوم الأربعاء، أن " تأثير الأزمة الحالية المتعلقة بإيران يتوقف على مدى تطور تدفقات الطاقة وأسعارها". ولم يتسن التواصل مع المسؤولين في ست وزارات مالية خارج ساعات العمل الرسمية.
تحدي جمع الأموال
سعت اقتصادات الخليج إلى تقليص اعتمادها على مواردها الطبيعية، لكنها لا تزال تعتمد بشكل كبير على المحروقات لدعم ماليتها العامة، التي تشهد أوضاعاً متباينة، ففي الوقت الذي يُرجح فيه أن تسجل الإمارات فائضاً مالياً يبلغ نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي في عامي 2025 و2026، أدى الإنفاق السعودي الضخم إلى عجز في الميزانية بلغ 276 مليار ريال (73.54 مليار دولار) العام الماضي، مع توقعات باستمرار العجز في السنوات القليلة المقبلة.
وخفض محللو جيه.بي مورغان توقعاتهم لنمو القطاعات غير النفطية وغير الغازية. وأشاروا في مذكرة صدرت أول من أمس الخميس، إلى انخفاض 1.2 نقطة مئوية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وهي، السعودية والإمارات وسلطنة عُمان والبحرين والكويت وقطر، مقارنة بتقديراتهم السابقة، مع تسجيل أبوظبي أكبر انخفاض بلغ 2.3 نقطة مئوية، وقال بنك جيه.بي مورغان إن قطاع المحروقات (الهيدروكربونات) ربما يشهد انتعاشاً في وقت لاحق من العام الجاري وذلك يعتمد على مدى استمرار الصراع.
أما في ما يخص القطاع غير النفطي، فقد حذر البنك من أن بعض الأضرار قد يطول أمدها أيضاً، مضيفاً أن المخاطر التي تواجه أجندة التنويع الأوسع، ومن بينها الاستثمار المحلي والاستثمار الأجنبي المباشر وجذب المواهب، أصبحت الآن أعلى من ذي قبل، وقد يصبح جمع الأموال عن طريق بيع الديون الدولية أكثر كلفة أيضاً، ووافقت السعودية في يناير/ كانون الثاني على خطة اقتراض بقيمة 217 مليار ريال (57.86 مليار دولار) لهذا العام.
وذكر بنك جيه.بي مورغان في الثاني من فبراير/ شباط أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي وشركة أرامكو وبنوكاً وشركات أخرى جمعوا نحو 27 مليار دولار منذ بداية هذا العام، مسجلين بذلك واحدة من أكثر بدايات العام نشاطاً على الإطلاق، وقالت آنا ناكفالوفايت، وهي أكاديمية من جامعة أكسفورد متخصصة في صناديق الثروة السيادية "ربما يواجه صندوق الاستثمارات العامة السعودي قيوداً (مالية وتشغيلية) أكثر (من نظرائه الذين يركزون فقط على المحافظ الاستثمارية) لأنه ليس مستثمراً عالمياً فحسب، بل هو أيضاً القوة التمويلية الرئيسية لرؤية 2030".
وبدأ صندوق الاستثمارات العامة بالفعل في التحول إلى الداخل، في وقت تسعى فيه المملكة إلى جذب رؤوس أموال وسط ضغوط مالية متزايدة وحاجة إلى تمويل رؤية الحكومة 2030، وتتطلب الخطة استثمارات حكومية بمئات المليارات من الدولارات في قطاعات مثل السياحة لتقليص الاعتماد الاقتصادي على المحروقات.
تحول استراتيجي
في أعقاب الأزمة المالية العالمية، باتت صناديق المنطقة الملاذ الآمن للمستثمرين، وساعدت على دعم المؤسسات المالية من باركليز إلى كريدي سويس. ولم تحقق جميع تلك الرهانات النتائج المرجوة، وفي السنوات القليلة الماضية أصبحت الصناديق أكثر استراتيجية، وضخت هذه الصناديق استثمارات ضخمة في مجالي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مما جعل القطاعين ركيزتين أساسيتين لجهود الصناديق الرامية إلى تحويل الاقتصاد بعيداً عن النفط.
وخصص صندوق الاستثمارات العامة عشرات المليارات من الدولارات للاستثمارات التكنولوجية المحلية والدولية، من بينها حصة في صندوق رؤية التابع لمجموعة سوفت بنك، وضخت مبادلة للاستثمار أموالاً في مجال الروبوتات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، كما دخلت شركة (إم.جي.إكس) في أبوظبي، التي تم إطلاقها العام الماضي مع مبادلة باعتبارها شريك مؤسس، في شراكة مع بلاك روك لإنشاء صندوق للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بقيمة 30 مليار دولار.
ودخلت الصناديق أيضاً في استثمارات بارزة في مجالات الإعلام والترفيه والرياضة، في إطار جهودها لتعزيز قوتها الناعمة واغتنام فرص النمو في الصناعات الموجهة للمستهلكين. واستحوذ صندوق الاستثمارات العامة السعودي على حصة أغلبية في شركة إلكترونيك آرتس، كما ضخ استثمارات بمليارات الدولارات في رياضة الجولف، بالإضافة إلى الملاكمة والرياضات الإلكترونية.
وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تحالف صندوق الاستثمارات العامة السعودي وصندوق الثروة السيادي الجديد (لعماد) في أبوظبي وجهاز قطر للاستثمار لدعم عرض شركة باراماونت سكاي دانس البالغ 108 مليارات دولار للاستحواذ على شركة وارنر بروس ديسكفري، وقال ناكفالوفايت إنه إذا استمر التصعيد العسكري وتزايدت المطالب المحلية، فهناك خطر من توقف الاستثمارات، وأضافت "الأولوية هي أمن المواطنين وسلاسل الإمداد، على سبيل المثال الأمن الغذائي ومياه الشرب".
سابقة إقليمية في الكويت
أثبتت الهيئة العامة للاستثمار بالكويت، التي تأسست عام 1953 بوصفها أول صندوق ثروة سيادي في العالم وتبلغ أصوله تريليون دولار، الدور الذي أُنشئت من أجله صناديق الثروة السيادية، فعندما غزت القوات العراقية الكويت عام 1990، أصبح الفرع التابع للهيئة في لندن بمثابة وزارة المالية، إذ تولى تنظيم التحويلات المالية إلى الحكومة في المنفى.
ومنذ ذلك الحين، حافظت جميع صناديق الاستثمار الخليجية الكبرى على منطق مماثل يتمثل في تراكم الفائض واستثماره في أوقات الأزمات، على الرغم من اختلاف مهامها واستراتيجياتها اختلافاً كبيراً، فبينما يعد صندوق الاستثمارات العامة السعودي، على سبيل المثال، محركاً للاستثمار المحلي لتنفيذ رؤية 2030 للمملكة، يقتصر دور كل من الهيئة العامة للاستثمار بالكويت وصندوق الثروة السيادي الجديد (لعماد) على الاستثمار الدولي.
خيارات الصناديق السيادية
من المؤكد أن تعبئة رأس المال السيادي بالكامل ليست بالأمر الهين في حال حدوث أزمة أعمق، فبالنسبة لبعض الصناديق، مثل صندوق مبادلة، ربما يضفي تركيزها الأكبر على الأسهم الخاصة وأصول البنية التحتية والبدائل غير السائلة صعوبة في عمليات التخارج، وربما تكون سندات الخزانة الأميركية والأسهم المدرجة الخيار الأول والأسهل. وكان جهاز أبوظبي للاستثمار من بين المستثمرين الذين باعوا حصة كبيرة من أسهم شركة ميدلاين الأميركية هذا الاسبوع.
وقال سام بورجي، المحلل المالي في منصة إنفزتورس أوبزرفر، إن " الأسواق العامة تعتبر أسهل مصدر للسيولة، لكنها أيضاً الأكثر وضوحاً ويمكن أن يكون التخارج منها مكلفاً في أثناء الاضطرابات، الحالة الأساسية هي أن صناديق الثروة السيادية في الخليج ليست مضطرة إلى البيع"، وذكر بيان صدر أمس الجمعة، أن مبادلة من بين مجموعة من المستثمرين تعهدوا بنحو أربعة مليارات دولار لمجموعة أثورا القابضة للتأمين، في حين ظهر جهاز أبوظبي للاستثمار ووحدة تابعة لجهاز قطر للاستثمار هذا الأسبوع من بين المستثمرين الرئيسيين في الطرح الأميركي الأولي العام لشركة المدفوعات اليابانية باي باي.
وذكر بورجي أن تباطؤ الاستثمار الخارجي وإعادة موازنة المحافظ بهدوء بدلاً من اللجوء إلى البيع الطارئ هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، وفضل جهاز قطر للاستثمار توظيف رأس المال السيادي محلياً استجابة للأزمة المالية لعام 2008 من أجل استقرار نظامها المصرفي، وذلك عن طريق شراء الأصول من ميزانيات البنوك المحلية لاستعادة الثقة.
وقال بيتر ياديرستين، الرئيس التنفيذي لشركة جايد أدفايزرز للاستشارات في جمع التبرعات، إن التركيز سينصب على استعادة الثقة بسرعة، على الرغم من أنه حذر من أن الأمر قد يستغرق وقتاً، وأضاف "أعتقد أن محافظ صناديق الثروة السيادية ستشهد إعادة ضبط قصيرة الأجل، لكن هذا ينطبق أيضاً على المستثمرين الآخرين على المدى الطويل في جميع أنحاء العالم، مثل صناديق الوقف وصناديق التقاعد، لا أعتقد أن ذلك سيؤثر بشكل كبير على محافظ صناديق الثروة السيادية طويلة الأجل في المنطقة".
(الدولار= 3.75 ريالات سعودية)
(رويترز)



