حوارات نُشر

الدكتور فوزي اوصديق: الدساتير العربية أسست لديكتاتوريات لا للحريات

يرى الدكتور فوزي اوصديق خبير القانون الدستوري أن الدساتير العربية الحالية لا تبني مؤسسات و دولة قانون بقدر ما تؤسس لديكتاتوريات، داعيا الى وجوب إيجاد آليات محكمة لخلق دستور توافقي يحترم الحريات العامة والفردية للمواطن بما فيها حقوقه السياسية، واعتبر ان هشاشة الدساتير هي سبب انتفاضة الشعوب وخلق الثورات.


-  ما هي قراءتكم القانونية لواقع القضاء الدستوري في الدول العربية؟

* واقع لا يبشر بالخير فمعظم القوانين الصادرة مجرد شعارات تنادي بالحريات افتراضيا و تقمعها في الواقع

الدستور العربي بات كمنشفة يسن لتبرير الفساد و التعفن السياسي لا لتحرير الفكر وتفتح الشخصية بمختلف ابعادها و منح الشعوب نوعا من الحرية الفعلية، اين يكمن الخطأ اذا  طبق بحذافيره لكسب ود الشعب ماذا سيحدث لو فصلنا السلطة القضائية عن التشريعية وماذا لو حددنا صلاحيات رئيس الجمهورية وجعله موظف لدى الشعب لا ملكا مستبدا ماذا لو أننا احتكمنا الى الشعب لاستفتاء على مشروع  الدستور  لكن هيهات أن يحدث ذلك لأننا بكل بساطة دول تعشق إعطاء الأوامر وتسليط العقوبات على الطبقة الكادحة و شرعنة تصرفات الطبقة الأخرى عبر منشفة الدستور.

فالدساتير جاءت لتمتص أزمة بقدر ما تؤسس لمؤسسات و دولة قانون و الحريات العامة، ولذلك فالقضاء حسب قناعتي غير مستقل ، وموجه، ومسيس، وإمعا احيانا في بعض الدول

كما أن الثقافة الدستورية وغيابها داخل المجتمع يجعل القابلية. للتهجين و انكماش المساحات الحرية محل حظر و انجراف مستمر حتى الاندثار ،فهده التوابل هي التي تنشئ الفارق.

 

-  تحدثتم مطولا عن إشكالية الغياب الفعلي لدستور توافقي يخدم الدول و المؤسسات الى ماذا احتكمت في ذلك؟ وهل تعتقد ان الدساتير العربية تحتاج الى تعديل فوري؟

*  هناك أزمة حقيقية يعيشها المشهد السياسي في الدول العربية و بأخص الجزائر خاصة مع الغياب الفعلي للدستور توافقي فمثلا الدستور الجزائري الذي لم يرى النور لحد الساعة رغم دوي الطبول والخطابات الجوفاء المنادية بإشراك كل الأطراف بما فيها المجتمع المدني من أجل خلق دستور توافقي ولكن للأسف لم يكن كذلك و الدليل تأخر ميلاده نظرا لكون العروس كانت حاملا منذ زمن و مراسيم الزواج حضرت قبل الانتخابات الرئاسية وبالتالي الآليات المعتمدة لإخراجه مبتورة شكلا ومضمونا فالدستور في الأنظمة المقارنة دائما يكون نتاجا لتوازنات كبرى داخل المجتمع، والدستور التوافقي له آليات محكمة لابد من احترامها، لذلك فالسلطة الجزائرية ستصدر "دستور أزمة" مثل باقي الدساتير السابقة، يعالج مرحلة معينة، وشرعنة تصرفات معينة وبالتالي سيكون دستورا على مقاس السلطة لا على مقاس الشعب. ومن ثم لابد من تعديل الدساتير التي تتنافى والحريات العامة بما فيها الحقوق السياسية والكف عن الاحتكام الى اسكافي مهنته دق المسامير والترقيع المؤقت يتماشى مع وعورة المسلك السياسي.

 

-         ما هي النقطة الفاصلة التي يمكن من خلالها التمييز بين الدساتير الغربية و الدساتير العربية ؟

·       هناك عدة نقاط فاصلة وليس نقطة واحدة فالدساتير العربية معظمها لم تؤسس لدولة القانون و إعطاء حرية كافية للفرد لممارسة حقوقه المدنية وحتى السياسية. بل أسست للأسف الشديد للقمع السياسي والعهر الفاضح الذي عرى معظم الأنظمة العربية التي انتهجت النظام الديكتاتوري لتهميش وإقصاء شعبها، فالنظام الدستوري في الغرب أرسى ثقافة دستورية حقيقية تقبل الآخر، وليست ثقافة تفضيل كما في العالم العربي.

وحتى القضاء العربي يتراءى للبعض انه مستقل لكن الواقع عكس ذلك تماما، والدليل  مصر حيث أثبتت الممارسة أن قضاءها مُسيس والأحكام الصادرة عنه خالفت مواد الدستور.

فلو نعرج على الدستور الغربي سنرى الفرق الشاسع بينه وبين الدساتير العربية فمثلا الدستور الأمريكي نشأ نتاج نزعة تحررية وتمردية ضد الممارسات العنصرية للعرش الملكي في لندن , والذي يعتبر السبب الرئيسي لإعلان الاستقلال وكتابة الدستور الجديد في النصف الثاني من القرن السابع عشر. فلو نطالع فقط  افتتاحية الدستور الأمريكي سنجده أنه استهلها بـ"نحن شعب الولايات المتحدة , رغبة منا في إنشاء اتحاد أكثر كمالاً , وإقامة العدالة , وضمان الاستقرار الداخلي وتوفير سبل العيش المشترك ...."

جملة تعبر على أن الدستور وضع للشعب ويتحدث باسم الجماعة و ليس باسم الشخص او باسم الحكومة والمؤسسات كما فعلت بعض الدول العربية والتي جعلت نفسها في قمة الهرم وذيلت محكومين و منحتهم حقوقا وهمية من باب ذر الرماد على الأعين فقط.

كما ان المواد الدستور الأمريكي فصل بدقة  مهام مجلسا الشيوخ والنواب وما على الرئيس من واجبات و ما له من حقوق عكس الدساتير العربية التي منحت للرئيس الجمهورية كل الصلاحيات وجعلت الوزير مجرد موظف إداري منعدم الحقوق.

واذا عرجنا على ما جاء في الدستور الكندي سنجده يتحدث  عن الحريات الاساسية التي يجب ان يتمتع بها الفرد من حرية الضمير والدين. وحرية الفكر والمعتقد والرأي والتعبير بما فيها الصحافة ووسائل الاتصال الأخرى. التجمع السلمي. حرية التجمع والاتحاد.

استظهرت كل تلك الجماليات عن الدساتير الغربية عن قصد ليعرف الجميع انها لم تخلق  بطريقة عشوائية اي حبر على ورق بل موجودة بصفة فعلية لمنح شعوبها الميزة الراقية التي تتمتع به من روح القانون و تجسيده على ارض الواقع ولا ينكر احد أن أمريكا دولة ديموقراطية بكل ما تحمله الكلمة من معاني بعيدا عن سياستها الخارجية.

فأين نحن من هؤلاء؟ سؤال لن يجد إجابة لافتقارنا للحوار الجاد الذي سيبدد الرواسب العالقة في منظومتنا الدستورية و القانونية ويقرب الشعب من محكومية.

-          أتهمت في تصريحاتك لوسائل الإعلام أن الدساتير العربية هي من خلقت الربيع العربي لأنها بكل بساطة  لا تبني دولة قانون بل تؤسس لدكتاتوريات؟

·       أنا لا اتهم احد بل كلامي واضح و الكل يعلم أن اهتراء وهشاشة المنظومة الدستورية و فرضها على الشعوب وإجبارهم على تطبيق قوانينها دون منحهم الحق في إبداء رأيهم هو من احدث تراكمات للمشاكل في كل مناحي الحياة سواء السياسة أو الاقتصادية حتى الاجتماعية وعمق الفوهة بين الحاكم و المحكومين.

و لا يجب أن نكذب على أنفسنا فالدستور غير توافقي والمفروض بالقوة بحجج واهية لا تسمن ولا تغني شعبا من جوع هو احد الأسباب لانفجار الثورات التي معظمها نادت بالحرية الكافية للعيش بكرامة وطالبت بأبسط الحقوق في السكن في الصحة التعلم و زوال الطبقية ومحاربة الفساد والمطالبة بتقسيم الثروات بالتساوي دون أن تبقى في يد طبقة معينة تفرض منطقها الهمجي وتسلب المال العام على مرأى و مسمع من المواطن المغلوب على أمره.. أنا اؤمن بشيء واحد وهو أن لغة المصالح تحكم أكثر من منطق القانون، والقوى الدولية تحلل أشياء لها في حين تحرمها على الأخرين.

-         في آخر حديثنا ما هو الحل للخروج من أزمة "انعدام دستور توافقي"؟

·       لابد من إعادة التفكير في استراتيجية للخروج من التفسخ والتشرذم السياسي لابد أن نحتكم الى القانون و نترك السياسة جانبا، لا يجب أن نخلط بين الأمرين فلابد من تفعيل مبدأ الفصل بين السلطات وتحرير المنظومة القانونية من قيود الاحتكار والتبعية. هنا يمكن التحدث عن دستور يبنى الأمم ويرتقي بالعمل القانوني لإصلاح الاعوجاج السياسي في البلدان العربي.


 

مواضيع ذات صلة :